اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-25 09:00:00
وعندما سأل رئيس حزب الكتائب اللبناني النائب سامي الجميل، في إحدى مداخلاته في الجمعية العامة لمجلس النواب، رئيس مجلس النواب نبيه بري عما إذا كان مع استئثار السلاح بيد الدولة اللبنانية، أومأ برأسه موافقاً. وعليه، خلص رئيس الكتائبيين إلى أن تسعين في المئة من النواب، الذين يمثلون تسعين في المئة من الشعب اللبناني، يؤيدون هذا التفرد. وعندما يقال حصرية، فهذا لا يعني، بالمعنى السيادي للكلمة، نصف أو ثلاثة أرباع الحصرية، أو بكلمات أخرى، وهي أن الدولة تمتلك هذا الحق في جنوب نهر الليطاني، وتحرم من هذا الحق في شمال النهر، وبالتالي في كل لبنان، من جنوبه إلى شماله، ومن سهله إلى ساحله. إن السيادة أيها السادة لا يمكن تجزئتها أو تقسيمها. في سيناريو افتراضي للحديث الذي جرى بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والرئيس بري خلال لقائهما في القصر الجمهوري، لا بد أن الأول قد سأل الأخير السؤال نفسه الذي سبق أن طرحه عليه النائب الجميل قبل نحو خمسة أشهر. السيد الرئيس، هل أنتم مع حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها دون شريك معها، وهل يتعارض كلامي لتلفزيون لبنان مع خطاب القسم الذي صفقت له والذي صفق له أغلب النواب وأغلبية الشعب اللبناني، وهل هو خارج سياق البيان الوزاري الذي أقره وزراء «الثنائي الشيعي»، وهل هذا الحديث يستوجب كل هذه الحملة العشوائية التي يطلقها البعض على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هذه الأسئلة الافتراضية لا بد أنها حظيت بإجابات افتراضية أيضاً، وتمحورت حول أهمية الأخذ بعين الاعتبار مخاوف حزب الله الذي لا يعارض بشكل مطلق حصر أي سلاح في يد القوات اللبنانية الشرعية، بشرط ضمان أمن جميع اللبنانيين، والانسحاب الكامل والشامل لجيش الاحتلال الإسرائيلي من كافة الأراضي اللبنانية، ووقف هجماته اليومية، وتحرير الأسرى اللبنانيين، وإعادة بناء ما دمرته إسرائيل. هذا اللقاء بين الرئيسين عون وبري في هذا الظرف الدقيق والحساس يشكل محطة سياسية بالغة الأهمية، ليس لأنه جاء في هذه اللحظة الحساسة من حياة العصر فحسب، بل لأنه فتح ثغرة في جدار التوتر المتصاعد بين رئاسة الجمهورية وحزب الله. ولم تكن إشارة بري إلى أن اللقاء كان «ممتازاً» وصفاً بروتوكولياً عابراً، بل هي رسالة سياسية محسوبة بعناية، تهدف إلى تهدئة الساحة وامتصاص التوتر الذي تراكم في السجالات الإعلامية والقراءات المتناقضة لمواقف رئيس الجمهورية، لا سيما في ما يتعلق بمسألة السيادة وحصرية القرارات الأمنية والعسكرية. منذ انتخابه، حرص الرئيس عون على رسم معادلة واضحة، وهي أن رئيس الجمهورية لا يتشاجر مع أحد، لكنه لا يتنازل. على الدستور، وبالتالي لا يتنازل عن القضايا السيادية. وهذا التوجه، رغم ترحيبه على نطاق واسع في الشارع اللبناني، سرعان ما أدخل العهد في تماس غير مباشر مع حزب الله الذي اعتاد على الرؤساء الذين يفضلون إدارة التناقضات عبر التأجيل بدلاً من المواجهة الهادئة. وهنا تحديداً، برز دور الرئيس بري، باعتباره اللاعب الأكثر قدرة على الوقوف في المسافة بين بعبدا والضاحية، ليس فقط كوسيط محايد، بل كضامن للتوازنات الدقيقة ضمن المعادلة الوطنية الشيعية الأوسع. ويدرك الرئيس بري أن أي صدام مفتوح بين رئيس الجمهورية وحزب الله لن يكون في مصلحة أحد، لا الحزب ولا العهد ولا الاستقرار الهش أصلاً. في المقابل، يدرك أيضاً أن تجاهل هموم رئيس الجمهورية أو محاولة تطويقها سياسياً سيؤدي إلى نتيجة عكسية، تضعف موقف الرئاسة وتعيد إنتاج مناخ الصراع المؤسسي الذي عاشه اللبنانيون في المراحل السابقة. من هنا، يمكن قراءة خطوة بري على أنها محاولة لإعادة ضبط الإيقاع، لا لوضع العصي في عجلات مسيرة العصر، ولا لإعطاء «الحزب» شيكاً على بياض. الدور الذي يمكن أن يلعبه الرئيس بري في المرحلة المقبلة يتوزع على أكثر من صعيد. أولاً، إعادة فتح قنوات الاتصال غير المعلنة بين بعبدا وحزب الله، بعيداً عن الضجيج الإعلامي والخطابات الخطابية. ثانياً، المساهمة في صياغة «لغة مشتركة» تسمح لكل طرف بالتمسك بمواقفه دون تحويلها إلى أدوات للاستفزاز المتبادل. ثالثا، وهو الأهم، منع أي محاولة لجر الخلاف إلى الشارع أو إلى المؤسسات، لأن تكلفة ذلك ستكون باهظة على الجميع. لكن يبقى السؤال الجوهري: هل يسعى الرئيس بري لإدارة التوتر تمهيداً للحل، أم لكسب الوقت بانتظار تغير الأوضاع الإقليمية؟ وتشير الخبرة السياسية الطويلة لرئيس المجلس إلى أنه يفضل دائما خيار الاحتواء المؤقت، حتى تنضج التسويات الكبرى. لكن المعادلة اليوم مختلفة. فالعصر في بداياته، والرئيس عون يملك رأسمالاً أخلاقياً وشعبياً كبيراً، والمنطقة تمر بمرحلة إعادة رسم الأدوار وحدود النفوذ، ما يجعل سياسة المنعطفات أقل استدامة. ومن هنا، فإن نجاح الرئيس بري في لعب دور «صمام الأمان» بين «بعبدا» و«حارة حريك» سيبقى مشروطاً بقدرته على إقناع «حزب الله» بأن العصر ليس خصماً، وفي الوقت نفسه قدرته على طمأنة رئيس الجمهورية إلى أن الحوار لا يعني الاستسلام. الثوابت. فإما أن يكون بري جسراً نحو تفاهم عقلاني يحمي الدولة ويخفف من حدة التوتر، وإما أن يتحول دوره، من حيث لا يريد، إلى مجرد إدارة أزمة مؤجلة سرعان ما تنفجر من جديد عند أول اختبار جدي. اليوم، يقف الرئيس بري أمام اختبار سياسي دقيق: فإما أن يتفرغ كشريك في تثبيت منصب رئاسة الجمهورية كسلطة موحدة، أو يكتفي بدور الإطفائي السياسي في بلد لم يعد يحتمل الحرائق المؤجلة. الأيام القليلة المقبلة كفيلة بإظهار أي خيار سيتخذه الرجل الذي يعلم أكثر من أي شخص آخر أن التوازن في لبنان لا يدار بالشعارات، بل بالحسابات الدقيقة.


