اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-13 07:26:00
منذ 14 ساعة تصاعد الدخان بعد غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت. رويترز: يكشف التاريخ السياسي الحديث للبنان عن نمط متكرر وهو ظهور المستوطنات الكبرى بعد أن فرضت جهات مسلحة غير شرعية حقائق على أرض الواقع عجزت الدولة عن مواجهتها. فمن اتفاق القاهرة إلى اتفاق الدوحة، كانت التسويات السياسية تتشكل في كثير من الأحيان وفقاً لتوازن القوى السائد، وليس نتيجة لقرار سيادي كامل. واليوم، تثير الحرب بين حزب الله وإسرائيل، وعواقبها المدمرة، احتمال أن يواجه لبنان اتفاق سلام أو تسوية سياسية بشروط قاسية، ناجمة عن الخسائر الفادحة التي تكبدها وأفعال حزب الله. والحقيقة أن اتفاق القاهرة في عام 1969 كان بمثابة أول مأسسة للنمط الذي أظهر عجز الدولة. تم توقيع الاتفاق بين الحكومة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية بوساطة مصرية، ومنحت فيه المنظمات الفلسطينية درجة واسعة من الحكم الذاتي داخل مخيمات اللاجئين، ما أدى إلى ظهور ما وصفه العديد من المراقبين فيما بعد بـ”دولة داخل الدولة”. وكانت هذه الخسارة أساسية بالنسبة للبنان، إذ فقد احتكاره لاستخدام القوة. ولكي نكون منصفين لسياسيي تلك الحقبة، لا بد من التذكير بأن هذا الاتفاق تم إبرامه في ظل ما وصفه العديد من المراقبين بـ “ظل الدبابات السورية”، وهي العبارة المستخدمة للتعبير عن التهديد الحقيقي بالتدخل السوري إذا رفض لبنان التوقيع. هذا التقييم تؤكده عدة مصادر، بما في ذلك المراسلات التي رفعت عنها السرية الصادرة عن السفارة الأميركية في بيروت، بالإضافة إلى الموجز الرئاسي اليومي الذي تعده وكالة المخابرات المركزية، وكذلك الوثائق المنشورة في سلسلة FRUS، وهي تحليلات دبلوماسية أميركية داخلية لم تكتب لأغراض دعائية عامة. وبالإضافة إلى ما ذكره الرئيس اللبناني شارل حلو في مذكراته “حياتي في السياسة”، فقد ذكر أن وحدات مدرعة سورية تجمعت على طول حدود سهل البقاع، مع تقارير تشير إلى دخول الدبابات لفترة وجيزة إلى المناطق الحدودية خلال الاشتباكات. وتظهر روايات مماثلة أيضاً في المذكرات السياسية لوزير الخارجية اللبناني السابق فؤاد بطرس، بعنوان “الحقيقة المرة”. لقد انهار النظام الذي أنشأه اتفاق القاهرة بعد غزو لبنان عام 1982، عندما طردت القوات الإسرائيلية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. وفي هذا السياق، تفاوضت حكومة الرئيس أمين الجميل على اتفاق 17 أيار/مايو، الذي شكل استثناءً ملحوظاً، حيث سعت إلى انسحاب القوات الإسرائيلية بترتيبات أمنية وعلاقات دبلوماسية، ومحاولة لاستعادة سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها والحد من نفوذ الفصائل المسلحة. لكن هذا الهدف لم يتحقق عملياً، إذ انهار الاتفاق تحت ضغط من سوريا والفصائل اللبنانية المتحالفة معها، التي اعتبرته تهديداً استراتيجياً لنفوذ دمشق في لبنان. لم يكن اتفاق 17 أيار يهدف إلى امتصاص قوة الفصائل المسلحة، بل كان هدفه إعادة احتكار استخدام القوة إلى الدولة ومنع لبنان من الانجرار إلى حروب لم يقرر خوضها. وفي حين أسس اتفاق القاهرة للاستقلال المسلح لمنظمة التحرير الفلسطينية، واعترف اتفاق الدوحة لاحقاً بالنفوذ السياسي الذي خلقته القوة العسكرية لحزب الله بعد أحداث 7 مايو/أيار، حاول اتفاق 17 مايو/أيار إعادة تأكيد السيادة اللبنانية بدلاً من التكيف مع تآكلها. ومع ذلك، فإن فشل الاتفاق ضمن استمرار الدورة التي تهيمن فيها الجهات المسلحة على تشكيل التسويات السياسية في البلاد. ربما يكون لبنان اليوم على حافة لحظة حاسمة جديدة، بعد أن أدت الحرب التي أشعلها حزب الله ضد إسرائيل إلى عواقب مدمرة على البلاد وأحيت الجدل حول إمكانية التوصل إلى تسوية سلمية. وأعلن الرئيس اللبناني مؤخرا أن لبنان مستعد للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، رغم أن تل أبيب وواشنطن أبدتا شكوكا، خاصة في ظل عدم قدرة الدولة اللبنانية حتى الآن على نزع سلاح حزب الله. لكن في النهاية، وتحت ضغط الحرب، ستتم المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق، ومن ثم سيواجه لبنان تسوية مفروضة وفق الواقع العسكري الذي أوصله إليه حزب الله. ومن بين السيناريوهات المحتملة أن تحتفظ إسرائيل بالأراضي اللبنانية كمنطقة عازلة دائمة لأغراض أمنية. ومثل هذه النتيجة من شأنها أن تشكل تطوراً مأساوياً لنفس النمط التاريخي: ففي عام 1969، أجبر اتفاق القاهرة لبنان على التنازل عن جزء من سيادته لاستخدام القوة، والتسوية المستقبلية قد تجبره على التنازل عن سيادته على جزء من أراضيه.



