اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-28 09:00:00
ويبدو أن لبنان يعود من جديد إلى لحظة اختبار كبرى، لكن بأدوات مختلفة وظروف أكثر تعقيداً. التشابه بين ما يعرف بـ”اتفاق الإطار” الذي تم توقيعه في واشنطن واتفاق 17 أيار/مايو 1983 لا يكمن في النصوص أو التفاصيل الفنية، بل في الفكرة نفسها، أي محاولة إعادة تنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية، وفي قلب توازنات داخلية حساسة جداً. لكن عند الفحص الدقيق، يتبين أن المقارنة بين المحطتين ليست سهلة، بل وربما تكون معقدة إذا لم تُقرأ في سياقها التاريخي والسياسي الكامل. وكان 17 أيار (مايو) بمثابة اتفاق نهائي تقريباً، تمت صياغته كترتيب سياسي أمني شامل بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وتم وضعه على طاولة التنفيذ كإطار لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين. أما «الاتفاق الإطاري» في واشنطن، بحسب المعطيات المتداولة، فهو لا يزال في مرحلة مختلفة تماماً، فهو ليس نهاية مسار، بل بدايته، وهو ليس تسوية كاملة، بل خريطة طريق مفتوحة على احتمالات متعددة. في عام 1983، كان لبنان يعيش تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي المباشر لجزء كبير من أراضيه، وفي ظل الانهيار البنيوي للدولة ومراكز القوى المتعددة خلال الحرب الأهلية. اليوم، الصورة أكثر تعقيدا، أي أن الدولة منهكة اقتصاديا ومؤسساتيا، لكنها ليست غائبة، مقابل توازن الردع القائم على الأرض بين إسرائيل وحزب الله، ما يجعل أي تسوية أو تفاهم جزءا من معادلة إقليمية أوسع، وليس مجرد قرار لبناني داخلي أو إسرائيلي فردي. وهذا هو بالضبط المكان الذي تتغير فيه طبيعة “اللعبة”. لقد سقط 17 أيار لأنه ولد في لحظة اختلال شامل، وحاول فرض تسوية نهائية في بيئة غير قابلة للهضم. أما «الاتفاق الإطاري» فهو لا يطرح نفسه كحل نهائي، بل كمسار تدريجي لإدارة الصراع، ما يجعله أقل تضارباً في الشكل وأكثر حساسية في المضمون. وفي هذا السياق، يبرز العامل السوري كأحد أبرز الفروق البنيوية بين المرحلتين. في أوائل الثمانينيات، كانت سوريا «لاعباً» مركزياً على الساحة اللبنانية، تمتلك تأثيراً مباشراً على القرارات السياسية والعسكرية، وقادرة على تعطيل أو إسقاط أي تسوية لا تتوافق مع حساباتها الإقليمية. وحينها لم يكن أي اتفاق يتعلق بلبنان وإسرائيل قابلاً للتطبيق من دون المرور عبر دمشق التي اعتبرت نفسها صاحبة «حق النقض» غير المعلن على الترتيبات اللبنانية. وهذا ما جعل الموقف السوري حينها عاملاً حاسماً في الضغوط السياسية والميدانية التي ساهمت في إسقاط اتفاق 17 أيار ومنع تثبيته. واليوم تبدو الصورة مختلفة جذرياً. تراجع الدور السوري المباشر في لبنان بشكل كبير نتيجة التحولات الإقليمية الكبرى، مما جعل دمشق أقل قدرة على لعب دور «الفيتو الإقليمي» في تفاصيل التسويات اللبنانية ــ الإسرائيلية. وهذا الغياب لا يعني غياباً كاملاً للنفوذ، لكنه يعني أن المعادلة لم تعد تمر حصراً من البوابة السورية، كما كان الحال في الثمانينيات. في المقابل، انتقل جزء من هذا الدور إلى أطراف إقليمية ودولية أخرى، على رأسها إيران والولايات المتحدة، في مشهد نفوذ أكثر تشابكا وتعدد مراكز النفوذ. وهذا يجعل أي اتفاق جديد، مثل «الاتفاق الإطاري»، محكوماً بتوازنات أوسع بكثير من تلك التي حكمت فترة 1983، حيث تمكن عامل إقليمي واحد من ترجيح كفة الميزان أو قلب التسوية. لكن الاختلاف الأهم يكمن في موقع القوى الداخلية. وفي عام 1983، لم يكن «حزب الله» «لاعباً» مركزياً في المعادلة، وكانت القوى الرافضة للاتفاق عديدة ومجزأة، مما جعل الإطاحة به ممكنة من خلال ضغوط داخلية وإقليمية واسعة. واليوم، لا يمكن لأي مسار مماثل أن يتجاهل وجود قوة لبنانية إقليمية منظمة، لها حضور عسكري وسياسي مباشر في المعادلة الجنوبية، ما يجعل أي تفاهم خارجي تحكمه التوازنات الداخلية منذ لحظة ولادته، وليس لاحقاً. أما بالنسبة للمزحة الأميركية فالمفارقة لا تقل أهمية. وفي عام 1983، كانت واشنطن تدفع نحو تسوية شبه نهائية عكست رؤية لإغلاق ملف الصراع بسرعة بعد الغزو. واليوم يبدو الدور الأميركي أقرب إلى الإدارة المنفتحة للصراع، بدلاً من إغلاقه، عبر هندسة مراحل متتالية تبدأ بترتيبات ميدانية ولا تنتهي بصيغة سياسية نهائية واضحة المعالم. ويعكس هذا التحول تغيراً أعمق في طريقة إدارة الصراعات في الشرق الأوسط، بدءاً من فرض الحلول الكبرى، وصولاً إلى تفكيكها إلى خطوات صغيرة قابلة للاختبار والتعديل. لكن هذه الطريقة، رغم مرونتها، لا تلغي المخاطر، بل تؤجل انفجارها أو تعيد توزيعها. وتظهر التجربة اللبنانية أن أي تسوية تتم خارج توازن داخلي واضح سرعان ما تتحول إلى أزمة داخلية. وهذا ما حدث في 17 أيار/مايو، عندما اصطدمت التسوية بواقع سياسي وميداني رفضها وأسقطها، ليس فقط لأنها «اتفاق مع إسرائيل»، بل لأنها لم تنجح في إنتاج غطاء داخلي شامل لها. واليوم، لا يبدو أن السؤال تغير كثيراً، وإن تغيرت الأشكال. ليست القضية ما إذا كان «اتفاق الإطار» مشابهاً أو مختلفاً عن اتفاق 17 أيار/مايو، بل هي قدرة لبنان على استيعاب أي مسار تفاوضي من هذا النوع ضمن بنيته الداخلية الهشة والمعقدة. وبين التجربتين يبقى الدرس هو نفسه تقريباً، إذ يمكن لأي اتفاق خارجي أن يصمد إذا لم يتحول إلى جزء من توازن داخلي قابل للحياة. وإلا فإن المسافة بين «الإطار» و«السقوط» قد تكون أقصر مما يتوقعه صناعه. والظاهر أن لبنان اليوم لا يبدو وكأنه يواجه تكراراً حرفياً لتجربة 1983، لكنه يواجه بالتأكيد اختباراً مماثلاً في الجوهر. هل يمكن التوصل إلى تسوية في منطقة لا تزال تعيد تعريف الحرب والسلام، أم أن كل إطار يرسم في الخارج سيبقى معلقاً حتى يجتاز الاختبار الحقيقي الأول في الداخل؟



