اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-11 07:10:00
قبل 44 دقيقة تصاعد أعمدة الدخان من جنوب لبنان إثر الغارات الإسرائيلية على لبنان. رويترز: لم تعد الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله مجرد مواجهة عسكرية على الحدود الجنوبية للبنان. بل يبدو اليوم أنها نقطة تحول قد ترسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ لبنان والمنطقة. الحروب الكبرى لا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تخلق حقائق سياسية وجغرافية جديدة، وتفرض توازنات قد تستمر لعقود طويلة. إذا كانت إسرائيل تبرر عملياتها العسكرية بضرورة حماية المستوطنات في الشمال وإزالة الخطر عن حدودها، فإن حجم الدمار الذي لحق بجنوب لبنان وطبيعة التصريحات الصادرة عن بعض القادة والمفكرين الإسرائيليين تثير تساؤلات مشروعة حول الأهداف الحقيقية للحرب والتغيرات الدائمة التي قد تترتب عليها على الأرض. وفي 14 كانون الثاني/يناير 2024، كتب عوزي إلى ديان في صحيفة معاريف يدعو إلى إنشاء ما أسماها “منطقة الموت” الممتدة من الحدود اللبنانية إلى نهر الليطاني، وإجلاء سكانها وتدمير بنيتها التحتية، بحيث يصبح كل من يبقى فيها هدفاً للقوات الإسرائيلية. وجاءت هذه الدعوة بعد أشهر من الحرب والتصعيد، لكنها في الواقع تعيد إلى الواجهة أفكارا ومطالب ليست جديدة في الفكر الصهيوني. منذ مؤتمر السلام في باريس عام 1919، سعى قادة الحركة الصهيونية، وعلى رأسهم حاييم وايزمان، إلى توسيع حدود الدولة اليهودية المنشودة لتشمل مناطق تقع شمال فلسطين وصولاً إلى نهر الليطاني، استناداً إلى اعتبارات مائية وأمنية واقتصادية. كما حذر عدد من المفكرين اليهود أنفسهم، ومن بينهم المستشرق الفرنسي سيلفان ليفي، من أن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين قد يؤدي إلى اقتلاع السكان العرب من أرضهم، وتحويل الصراع إلى أزمة دائمة في المنطقة. واليوم، بعد مرور أكثر من قرن على تلك المطالب، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد يفرض المقارنة مع التجارب السابقة في الشرق الأوسط. وتعرضت القرى الجنوبية لدمار واسع النطاق، وسويت آلاف المنازل بالأرض، وتضررت الأراضي الزراعية والبنية التحتية، فيما نزح عشرات الآلاف من السكان بعيدًا عن قراهم ومدنهم. أما المدارس والمؤسسات الاقتصادية فتوقفت أو تراجعت أنشطتها، مما يهدد جيلاً كاملاً بفقدان الاستقرار وفرص العمل والتعليم. ولا يقتصر الخطر على الدمار الجسدي. وتظهر التجارب التاريخية أن الحروب الطويلة غالبا ما تؤدي إلى تغيرات ديموغرافية واجتماعية يصعب عكسها لاحقا. فعندما يغيب الأمان وتختفي فرص الحياة الكريمة، يصبح النزوح المؤقت هجرة دائمة، وتتحول القرى المهجورة إلى مناطق يصعب إعادة إعمارها أو استعادة حيويتها. ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: هل تهدف إسرائيل فقط إلى إخراج حزب الله من حدودها الشمالية، أم أنها تسعى إلى فرض واقع أمني جديد يجعل أجزاء واسعة من جنوب لبنان منطقة خاضعة عملياً لسيطرتها ونفوذها، حتى من دون إعلان الضم رسمياً؟ صحيح أن القانون الدولي والظروف السياسية العالمية لا تسمح بالضم بسهولة. الأراضي اللبنانية، لكن التاريخ يعلمنا أن الاحتلال لا يبدأ دائماً بقرارات رسمية. وكثير من الحقائق الجغرافية والسياسية فُرضت تدريجياً تحت مسميات أمنية مؤقتة، ثم تحولت بمرور الوقت إلى ظروف دائمة يصعب تغييرها. وفي داخل لبنان، تطرح الحرب بدورها أسئلة مصيرية. كيف يمكن إعادة إعمار الجنوب في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة؟ ما هو مستقبل العلاقة بين الدولة وحزب الله؟ هل يستطيع لبنان الاستمرار في معادلة تجمع بين قوة الدولة وقوة السلاح خارج إطاره؟ وما هي الضمانات التي ستمنع تكرار هذه المأساة خلال سنوات قليلة؟ ومن ناحية أخرى، فإن إسرائيل ليست محصنة ضد تداعيات الصراع. فالحروب الطويلة تستنزف الاقتصاد، وتعمق الانقسامات الداخلية، وتضعف صورة الدول في الرأي العام العالمي. لقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً أن التفوق العسكري، مهما عظم، لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار السياسي أو فرض السلام الدائم. والسؤال الذي سيحكم مستقبل لبنان بعد انتهاء هذه الحرب ليس من انتصر ومن هزم، بل ما هو الواقع الجديد الذي سيولد من تحت الركام؟ هل سيبقى جنوب لبنان كما عرفه شعبه منذ أجيال، أم أننا أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم حدوده الديمغرافية والسياسية والأمنية؟ لقد دفع اللبنانيون مراراً وتكراراً ثمن صراعات تتجاوز حدود بلادهم ومقدراتها. أما اليوم فإن الخوف الأكبر ليس فقط من استمرار الحرب، بل من تحول ما يقال إنه إجراء أمني مؤقت إلى واقع دائم، ومن أن يتحول جنوب لبنان مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة لصراعات الجغرافيا والتاريخ والأطماع الإقليمية. وللذاكرة والتاريخ، فإن أخطر التحولات في منطقتنا لم تبدأ عادة بإعلانات رسمية، بل بدأت بحقائق فرضت على الأرض ثم اعتاد عليها العالم. والسؤال الذي يواجه اللبنانيين اليوم هو ما إذا كانت الحرب الحالية تشكل إحدى نقاط التحول تلك.



