اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-11 17:00:00
في بلد لا يزال قسم من سكانه يعيش بين النزوح والخوف وترقب أي عدوان إسرائيلي جديد، يبدو الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية بمثابة محاولة لفرض صورة الحياة الطبيعية على واقع فقد أبسط مقوماته منذ أشهر. ولم يعد الأمر مرتبطاً بالاستحقاق التعليمي بقدر ما أصبح مرتبطاً بقدرة الدولة على إدراك مدى التحولات التي فرضتها الحرب على حياة آلاف الطلاب الذين يطلب منهم اليوم تقديم امتحان مصيري، في وقت لا يزال الكثير منهم يخضعون لامتحان أشد قسوة يتعلق بالأمن والاستقرار وإمكانية مواصلة حياة طبيعية بالفعل. ومن هنا تحديداً، انفجرت موجة الاعتراضات على وزيرة التربية ريما كرامي، لتتحول القضية تدريجياً من ملف تربوي إلى قضية وطنية وإنسانية مفتوحة. ولعل اللافت في هذا الملف هو أن الاعتراضات لم تعد مقتصرة على الأوساط التربوية أو بين الطلاب والأسر المتضررة بشكل مباشر من القرار، بل اتسعت تدريجياً لتشمل نواباً وتربويين وشخصيات عامة وأطرافاً مختلفة لا يجمعهم موقف سياسي واحد بقدر ما يجمعهم القلق من التداعيات المحتملة لهذا الخيار. وهو ما يعكس حجم التحول الذي شهده الملف، بعد أن خرج من إطار النقاش الأكاديمي التقليدي ليتحول إلى قضية رأي عام فرضت نفسها على مختلف المستويات. حتى أن بعض الفنانين وجدوا أنفسهم على خط هذا السجال، معتبرين أن سلامة الطلاب يجب أن تكون مقدمة على أي اعتبار آخر، في موقف يعكس حجم القلق الذي أصبح يرافق هذا الملف خارج الأوساط التعليمية أيضاً. والأخطر من ذلك أن وزيرة التربية لم تتعامل مع موجة الاعتراضات المتزايدة كمؤشر يدعو إلى إعادة النظر أو المراجعة، بل بدا وكأنها تعاملت معها كسبب إضافي للالتزام بالقرار. وكلما ارتفعت الأصوات المنذرة بالمخاطر الأمنية والنفسية والتربوية المحيطة بهذا الاستحقاق، كلما زاد التزام الخطاب الرسمي به، وهو ما تحول النقاش تدريجياً من نقاش حول الامتحانات نفسها إلى نقاش حول أسباب الإصرار عليها، وحول مدى قدرة الوزارة على الاستماع لمخاوف الناس والتفاعل معها. وما عمق هذه المخاوف هو أن الوقائع الميدانية نفسها كانت تستجيب لكل محاولات التقليل من خطورة الوضع. أعادت الغارة الإسرائيلية التي وقعت قرب أحد المراكز المقترحة لاستضافة الامتحانات في مدينة صيدا، النقاش إلى نقطة أكثر حساسية تتعلق بقدرة أي طرف على تقديم ضمانات فعالة في ظل واقع أمني متقلب. وعندما يتوفر مركز امتحاني ضمن منطقة شهدت استهدافاً مباشراً، لم يعد السؤال يتعلق بعدد المراقبين أو آليات التنظيم، بل من يملك القدرة على ضمان ألا يتحول يوم الامتحان نفسه إلى يوم يدفع فيه الطلاب وذويهم ثمن عدوان ليس لديهم القدرة على السيطرة على مساره. وما يزيد من حساسية هذا السؤال هو أن الجهات المعنية نفسها لا تملك القدرة على تقديم الضمانات المطلقة في مواجهة عدو مفتوح على كل الاحتمالات، ولا تحكمه قواعد ثابتة، ولا يمكن التنبؤ بمساراته أو حدود تصعيده. وفيما أثار رفض الطلبات المقدمة من الجامعات لإجراء الامتحانات عن بعد في بعض المناطق الأكثر تضرراً من الوضع الأمني، لا سيما في صيدا والنبطية وصور، المزيد من علامات الاستفهام حول النهج الذي تتبعه وزارة التربية في إدارة هذا الملف، تعزز الانطباع لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن الوزارة تتعامل مع الأزمة من زاوية إدارية بحتة، في حين ينظر المتضررون إليها على أنها مسألة تتعلق مباشرة بسلامة أبنائهم ومستقبلهم. ولا يتحدث المعترضون عن الطلاب الذين يرفضون تقديم الامتحانات أو يبحثون عن تسهيلات استثنائية، بل عن آلاف الطلاب الذين عاشوا خلال الأشهر الماضية بين النزوح والتهجير والخوف المستمر وعدم الاستقرار النفسي. واضطر بعضهم إلى ترك منازلهم بينما أكمل آخرون عامهم الدراسي في ظروف تختلف جذرياً عن تلك التي يعيشها زملاؤهم في مناطق أخرى. ولم يقتصر الغضب على الأوساط التعليمية، بل امتد إلى البيئة الجنوبية التي شعرت أن أبناء المناطق الأكثر تضررا من الحرب هم من سيتحملون وطأة هذا القرار. وهو ما انعكس في تصاعد التساؤلات الموجهة إلى ممثلي «الثنائي الشيعي» حول سبب غياب أي تحرك جدي أمام قرار يمس بشكل مباشر آلاف الطلاب في مناطقهم. كما ظهرت حالة من الاستياء لدى شريحة من الذين اعتبروا أن هذه القضية تستحق موقفا أكثر وضوحا وفعالية من القوى السياسية الممثلة لهذه المناطق، خاصة أنها تتعلق بمستقبل الطلاب الذين عاشوا خلال الأشهر الماضية ظروفا استثنائية ودفعوا أثمانا باهظة بسبب الحرب وتداعياتها. ويرون أن حجم المعاناة التي مرت بها هذه المناطق كان ينبغي أن يقابله قدر مماثل من الضغط السياسي والسعي لفرض مقاربة استثنائية تراعي واقع الطلاب وظروفهم، وليس لتبقى القضية محصورة في إطار الاعتراضات الشعبية والتربوية وحدها. وفي خضم هذا السجال، برز موقف مقرر لجنة التعليم النيابية النائب الدكتور إدغار الطرابلسي، الذي حذر من المخاطر المرتبطة بعقد الامتحانات في ظل الظروف الحالية، معتبراً أن المدارس تبقى عرضة للاستهداف وأن الجيش لا يستطيع توفير الضمانات المطلقة لأمن أحد. منطقة أو مركز امتحاني، داعيا إلى البحث عن بدائل تراعي الواقع الاستثنائي الذي يعيشه الطلاب. في المقابل، لم يذهب نقيب المعلمين نعمة محفوظ إلى حد المطالبة بإلغاء الامتحانات مسبقا، لكنه أكد أن القرار النهائي يقع على عاتق الدولة، في موقف يعكس وعيا بحساسية الموضوع وتعقيداته. ومع استمرار الوزارة في التمسك باختيارها، بدأت تظهر أسئلة إضافية تتجاوز الجانب التعليمي المباشر. وهناك من يطرح تساؤلات حول الخلفيات التي تؤدي إلى هذا الإصرار رغم اتساع الاعتراضات، وعما إذا كانت هناك اعتبارات أو التزامات إدارية أو مالية مرتبطة بهذا الاستحقاق تجعل من غير المعقول الانسحاب منه. كما ظهرت نقاشات أخرى تتعلق بالمسؤوليات القانونية الناجمة عن أي تطور أمني محتمل، وبعض القرارات الإدارية التي اعتبرها منتقدوها محاولة لنقل جزء من المسؤولية إلى الشعب بدلا من إبقاء المسؤولية كاملة على الدولة والوزارة. كلها أسئلة ظلت حتى الآن دون أجوبة واضحة قادرة على تبديد الشكوك أو تبديد المخاوف، ما ساهم في توسيع دائرة الجدل بدلا من احتوائها. في النهاية قد تتمكن وزيرة التربية ريما كرامي من فرض قرارها، وقد تنجح في إجراء الامتحانات الرسمية في مواعيدها المحددة. لكن ما كشفته هذه الأزمة يتجاوز بكثير مصير الامتحانات نفسها، إذ أظهرت حجم الفجوة بين من يتخذ القرار ومن يتحمل تبعاته، ونهج إداري يتعامل مع هذا الملف بالأرقام والتعاميم والمواعيد، وواقع إنساني أكثر تعقيدا تعيشه يوميا آلاف الأسر والطلاب. ومن هنا، تبدو الوزيرة التي تطالب باجتياز آلاف الطلاب للامتحانات الرسمية، وكأنها رسبت في الامتحان الذي يسبق كل امتحان: امتحان الإنسانية. الموضوع لم يكن يوماً مرتبطاً بآلية إجراء الامتحانات أو مواعيدها بقدر ما كان مرتبطاً بالقدرة على رؤية الأشخاص خلف الملفات، والطلاب خلف الطاولات، ومعاناة الأهالي خلف القرارات. ولذلك فإن ما كشفته هذه المعركة لم يكن مجرد خلاف على استحقاق تعليمي، بل فشل ذريع في اختبار كان من المفترض أن يكون الأسهل لأي مسؤول مسؤول عن إدارة قطاع يرتبط بمصير جيل كامل ومستقبله واستقراره النفسي قبل أي شيء آخر.




