اخبار ليبيا اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار ليبيا- اخبار ليبيا الان
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-13 21:05:00
في 11 أبريل 145م، شهدت مدينة لبدة الكبرى على الساحل الليبي ولادة لوسيوس سيبتيموس سيفيروس، الرجل الذي سيمهد طريقه بشكل استثنائي، ويصبح فيما بعد أحد أبرز أباطرة روما، مؤسس السلالة التي حكمت الإمبراطورية في واحدة من أكثر فتراتها اضطرابا وتحولا، والذي يسجل اسمه كأول أفريقي يعتلي عرش الإمبراطورية. نشأ سيبتيموس في بيئة متعددة الثقافات، حيث امتزجت الجذور البونيقية مع التقاليد الليبية المحلية والثقافة اللاتينية القادمة، والتي اتخذت شكلاً رسميًا. وأشار المؤرخ كاسيوس ديو إلى أن سيبتيموس ظل طوال حياته فخورا بأصوله الأفريقية وكان معروفا بها، لدرجة أن لهجته اللاتينية خانت وطنه الأول رغم السنوات الطويلة التي قضاها في روما. تلقى تعليمه الأولي باللغة اللبنانية، قبل أن ينتقل إلى روما في سن مبكرة حيث واصل دراسته في الحقوق والبلاغة. بدأ حياته المهنية في المناصب الرومانية بدعم من المقربين منه. ارتقى تدريجياً إلى المناصب الإدارية والعسكرية، وتولى مهام في مناطق مختلفة، بما في ذلك سوريا وإسبانيا وصقلية وغال، مما منحه خبرة واسعة بطبيعة الإمبراطورية وحدودها وتعقيداتها في أرض واسعة. تزوج في شبابه من باكيا مارسيانا، وهي امرأة من مدينته لبدة الكبرى، لكنها توفيت بعد فترة من زواجهما، وبعد وفاتها تزوج من جوليا دومنا القادمة من سوريا، والتي لعبت دورًا مهمًا في حياته السياسية وأنجبت منه ولديه، كركلا وجيتا، اللذين أصبحا فيما بعد جزءًا من أحد أكثر الفصول دراماتيكية في التاريخ الروماني. جاء صعود سيفيروس إلى السلطة في سياق ما عرف بعام الأباطرة الخمسة، وهي فترة من الفوضى السياسية أعقبت اغتيال الإمبراطور برتيناكس، تمكن خلالها سيبتيموس، بفضل دعم جيوشه، من إنهاء الفوضى وفرض نفسه بعد صراعات مع منافسين بارزين مثل بيسينيوس وكلوديوس ألبينوس، وبذلك أسست السلالة السيفيرية وأعاد رسم ميزان القوى داخل الإمبراطورية. ولم يكن حضور ليبيا في حياة سيبتيموس رمزيا فحسب، بل ارتبط اسمه بنهضة عمرانية واقتصادية واضحة في وطنه، حيث شهدت لبدة الكبرى توسعا عمرانيا كبيرا، شمل بناء مرافق ضخمة مثل قوس سيبتيموس سيفيروس والبازيليكا والساحات العامة. كما ازدهرت الزراعة في الداخل الليبي، وأصبحت المنطقة من أهم مصادر تزويد روما بالحبوب وزيت الزيتون، في ظل نظام دفاعي عرف بالحدود الدفاعية، مما ساهم في تأمين الحدود وتنظيم الحياة الاقتصادية. وفي عهد سيبتيموس سيفيروس، شهدت لبدة الكبرى تحولًا واضحًا في وضعها داخل الإمبراطورية الرومانية، حيث مُنحت امتيازات إدارية واقتصادية عززت مكانتها. وساهم هذا التطور في تسريع النمو الحضري واتساع النشاط الزراعي والتجاري، مما حول لبدة الكبرى إلى مركز حضري مزدهر أكثر ارتباطا بروما، ويعكس في الوقت نفسه اندماج النخب المحلية في البنية السياسية والاقتصادية للدولة الرومانية. وعلى المستوى العسكري، قاد سيفيروس حملات ناجحة، خاصة ضد الإمبراطورية البارثية في بلاد فارس، وتمكن من دخول عاصمتهم قطسيفون، وبذلك عزز مكانة روما في الشرق. كما ذهب في سنواته الأخيرة إلى بريطانيا لقيادة حملة ضد القبائل الشمالية، في محاولة لبسط السيطرة الرومانية هناك. وفي عام 211م، توفي سيفيروس في مدينة يورك – بريطانيا بعد مسيرة مهنية حافلة، تاركًا وراءه إمبراطورية أكثر تماسكًا وقوة، ووسعت حدودها في اتجاهات متعددة، كما ترك وصية. ودعا إلى أبنائه إلى التماسك والحفاظ على ولاء الجنود، إلا أن هذا الأمر لم يلق الاستجابة الأمثل، ولم يمنع نشوب الصراع بينهم فيما بعد. بعد ذلك، تولى كركلا وجيتا السلطة بشكل مشترك، لكن هذا الترتيب الغريب للحكم لم يدم طويلا، إذ سرعان ما اندلعت الخلافات بينهما، وانتهت بقتل كركلا شقيقه جيتا داخل القصر، في واحدة من أشهر حوادث الصراع على السلطة في التاريخ الروماني، ليحكم بعد ذلك وحده، ولم تخل فترة حكمه من قرارات مؤثرة، مثل منح الجنسية الرومانية لعدد كبير من سكان الإمبراطورية، مما ساهم في توسيع مفهوم المواطنة داخل الدولة، ورغم الاستمرار بعد انتهاء حكمه لعدة سنوات، ترك اغتيال جيتا أثرًا عميقًا على استقرار الحكومة. ورغم أن سيفيروس دفن في روما، إلا أن إرثه في ليبيا لا يزال حاضرا حتى اليوم، إذ تقف آثار مدينة لبدة الكبرى شاهدة على فترة من الازدهار قادها ابن المدينة، الذي انطلق من شواطئ شمال أفريقيا ليصل إلى قمة السلطة في العالم القديم، وترك بصمة لا تزال حية في التاريخ والذاكرة الليبية.



