اخبار مصر – وطن نيوز
اخبار مصر اليوم – اخبار اليوم في مصر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-15 17:26:00
وفي ظلام القاعة قبل الموعد الحاسم، بدت تماثيل الملوك والآلهة وكأنها تتأمل العمال بأعينها الجرانيتية المحدقة. خيم صمت مهيب على المكان، لا يقطعه إلا الأنفاس المتلاحقة لرجال يحملون مسؤولية تاريخية أثقل من الصخرة نفسها. هنا، داخل قاعة مخبأ معبد الأقصر بمتحف الأقصر للفن المصري القديم، لم يكن الأمر مجرد نقل الحجارة، بل عبور القطع الفريدة التي ظلت على قيد الحياة لآلاف السنين تحت الأرض، لتظهر اليوم في شكل جديد. وأمام هذا التحدي، كان هناك رجل يقف بثبات مثل الملوك أنفسهم، يقود معركته الخاصة لحماية تراث الإنسانية؛ وهو العميد محمود فاروق كبير العمال والمسؤول الأول عن حركة هذه الكنوز. كيف يمكنك تحريك تمثال عمره آلاف السنين؟ إن تحريك تمثال فرعوني ليس مجرد عمل عضلي، بل هو طقوس تشبه عملية جراحية دقيقة على القلب. خلال تلك الساعات الطويلة، حبست الأنفاس، والخطأ يعني ضياع جزء من التاريخ لا يمكن تعويضه. كان التعامل مع 26 قطعة أثرية نادرة، تابعة لمخبأة معبد الأقصر الشهير التي تم اكتشافها عام 1989، يتطلب «دقة متناهية» تقترب من المعجزة. تم حساب كل حركة بالمليمتر، وكل رفع كان يخضع لحسابات معقدة تتعلق بمركز ثقل التمثال ونوعية الحجر النحت، سواء كان من الجرانيت الصلب أو الحجر الجيري الذي يتطلب عناية فائقة. وتحرك العمال بأصابعهم الحريرية، ولفوا الأجسام الملكية بوسائل تأمين خاصة تم إعدادها وتصميمها مسبقاً لحماية الأسطح الأثرية من أي احتكاك قد يترك آثاراً. الخطة السرية للتأمين والحركة. وخلال جولة خاصة لـ”مصراوي” داخل القاعة المطورة التي افتتحها شريف فتحي وزير السياحة والآثار، روى الرئيس محمود فاروق، كواليس تلك الملحمة، قائلا: “نقل هذه القطع استغرق منا وقتا ومجهودا لا يوصفان بالعدالة، وكنا نعمل وفق خطة دقيقة للغاية تم وضعها بالتعاون مع المرممين وعلماء الآثار، واستخدمنا وسائل أمنية ميكانيكية ويدوية خاصة للتأكد من سلامة التماثيل أثناء النقل والتركيب داخل الستائر الجديدة”. وأضاف فاروق وعيناه تلمعان بالفخر وهو يستعرض التماثيل: “انتهت العملية بنجاح تام بنسبة 100%، دون أي خدش أو تلف في أي قطعة أثرية”. ورافق رئيس العمال مراسلتنا لشرح أهمية التماثيل الفنية والتاريخية، وكيف يعكس هذا العرض الحديث (الذي يضم ملوكاً عظماء مثل أمنحتب الثالث وآلهة مثل الإلهة حتحور والإله آمون) تطور النحت المصري القديم، مكملاً المشهد بالمفاجأة الكبرى للمتحف وهي عرض “أختام مقبرة توت عنخ آمون” لأول مرة. وتتجلى في هذا الإنجاز براعة الأجداد في النحت وإخلاص الأحفاد في الحفاظ على صلة خفية ومقدسة. وبينما وقف النحات المصري القديم منذ آلاف السنين، يثني الصخرة الصلبة بإزميله ليخلق تفاصيل مذهلة تبهر العالم حتى اليوم، وقف الحفيد “الريس محمود” وفريقه المعاصر بنفس الروح والصبر لينالوا الثقة. إنها عبقرية مصرية ممتدة؛ إن اليد التي نحتت تقابلها اليوم اليد التي تحمي، والروح التي خلقت تلتقي بالروح التي ترفض أن يتأثر هذا الإبداع بأي ضرر، ليثبت نظام العمل داخل المتحف أنه يعمل بروح الفريق الواحد من أجل تقديم التاريخ بشكل يليق بعظمة أجدادنا. بصمة خلف كل تمثال. افتتحت قاعة مخبأ معبد الأقصر أبوابها رسميا أمام السائحين والمواطنين، وأبهرتهم بنظام الإضاءة الحديث والسيناريو المتحفي المتطور الذي يسلط الضوء على جمال 26 قطعة أثرية فريدة من نوعها. وبينما يتأمل الزائرون بريق الكوارتزيت والجرانيت، ويسيرون في ذهول بين ملوك وآلهة الفراعنة، تبقى هناك قصة خفية لا تحكيها العلامات التوضيحية. قصة تجسد العرق على جبين العامل المصري الوفي، ممثلاً بـ«الرئيس محمود فاروق» ورجاله، الذين سهروا الليالي للحفاظ على هذه الكنوز الشامخة والكاملة دون خدش واحد.



