اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-04 05:09:00
وجاء الإعلان عن تشكيل الحكومة السنغالية الجديدة في لحظة سياسية دقيقة تعيشها البلاد بعد انتخابات حملت وعودا واسعة بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع وفتح صفحة جديدة في إدارة الشأن العام. لكن الحدث الذي جذب الانتباه لم يكن توزيع الحقائب أو أسماء الوزراء بقدر ما كان الغياب الملفت لحزب “باستيف” عن التشكيلة الحكومية، رغم حضوره القوي في المشهد السياسي وارتباطه في السنوات الأخيرة بموجة التغيير التي أعادت تشكيل المزاج العام في السنغال. وهنا لا يطرح السؤال من دخل الحكومة، بل لماذا بقي الطرف الأكثر تأثيراً خارجها؟ فماذا يكشف ذلك عن طبيعة المرحلة المقبلة؟ منذ ظهوره كقوة سياسية صاعدة، لم يقدم باستيف نفسه كحزب انتخابي تقليدي يسعى إلى تقاسم السلطة أو إدارة التوازنات القائمة، بل كحامل لمشروع سياسي يقوم على القطيعة مع أنماط الحكم السابقة، وإعادة النظر في هيكل الإدارة والاقتصاد، وصياغة علاقة أكثر استقلالية مع الخارج. ومن هذا المنطلق، كان من المفترض أن يكون دخوله إلى الحكومة هو الامتداد الطبيعي لهذا المشروع. لكن الانتقال من المعارضة إلى الحكم لا يتم دائماً وفق منطق الشعارات. وتواجه الأحزاب التي تصل إلى عتبة السلطة سؤالا جوهريا: هل تعطي الأولوية للحفاظ على هويتها السياسية أم تختار الاندماج الكامل في إدارة الدولة؟ وفي الحالة السنغالية، يبدو أن جزءا من الجواب جاء من خلال اختيار التمايز بدلا من الحل. ويمكن قراءة عدم مشاركة الحزب في الحكومة على أنه تعبير عن اختلاف في تصور ممارسة السلطة وليس خلاف ظرفي حول المواقف. فالدخول الجزئي في الحكومة قد يحول الأحزاب إلى شركاء في تحمل التكاليف السياسية دون امتلاك القدرة الكاملة على اتخاذ القرارات، وهو ما شهدته تجارب عديدة في الديمقراطيات الناشئة. ومن هذه الزاوية، قد يكون الابتعاد عن الحكومة محاولة لتجنب الاستنزاف المبكر والحفاظ على الرصيد الشعبي الذي راكمه الحزب خلال سنوات المعارضة. لكن هناك قراءة أخرى لا تقل أهمية. وهو أن ما يحدث لا يعكس انسحاباً من السلطة بقدر ما يمثل إعادة توزيع للأدوار داخل معسكر السلطة نفسه. إذا لم تعد السلطة التنفيذية هي مجال النفوذ الأساسي، فقد تصبح المؤسسة التشريعية مركز الثقل الجديد، بما توفره من أدوات للتشريع والرقابة وصياغة الأجندة السياسية. ويعكس هذا التصور فهماً أكثر مرونة للسلطة؛ والقدرة على التأثير لا تقتصر على عدد المقاعد الوزارية، بل على القدرة على توجيه القرارات ضمن مؤسسات متعددة. ومن زاوية ثالثة، يمكن فهم هذا الغياب على أنه رسالة سياسية موجهة إلى مؤسسة الرئاسة نفسها. رسالة تتعلق بحدود الاستقلالية التي تريد الأحزاب الحفاظ عليها بعد وصول حلفائها إلى السلطة، وكيفية توزيع الشرعية بين التفويض الانتخابي والقرار التنفيذي. ومع ذلك، فإن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر. الابتعاد عن الحكومة يمنح الحزب مساحة أكبر للحفاظ على خطابه الإصلاحي وحرية أكبر في الانتقاد، لكنه في المقابل يحرمه من اختبار قدرته على الإدارة والتنفيذ، وهي المرحلة التي ينتقل فيها الأحزاب من الوعود إلى النتائج. كما أن استمرار هذه المسافة قد يخلق نوعاً من الإرباك السياسي إذا لم يتم تحديد المسؤوليات بشكل واضح أمام الرأي العام. في المقابل، تجد الحكومة الجديدة نفسها أمام تحدي مزدوج: الحفاظ على الاستقرار السياسي من جهة، وإقناع الشارع بأنها تمثل مشروع التغيير حقاً من جهة أخرى، في حين تبقى القوة السياسية الأكثر حضوراً خارج هيكلها التنفيذي. إن تاريخ السنغال يعطي مجالاً للتفاؤل؛ ولعقود من الزمن، ظلت البلاد تقدم نموذجا نسبيا في إدارة التحول السياسي وتجنب التمزق المؤسسي الذي شهدته بلدان أخرى في المنطقة. لكن المرحلة الحالية تختلف في طبيعة مخاطرها، إذ لم يعد التحدي مقتصرا على التداول الديمقراطي، بل أصبح مرتبطا بقدرة المؤسسات على تحويل آمال التغيير إلى سياسات ملموسة. في النهاية، قد لا يكون غياب باستيف عن الحكومة مؤشراً على وجود أزمة داخل السلطة بقدر ما قد يكون مؤشراً على تشكيل نموذج جديد للعلاقة بين الحزب والدولة. نموذج تقاس فيه القوة السياسية بمدى القدرة على التأثير، وليس بعدد الوزراء. وستكشف الأشهر المقبلة وحدها ما إذا كانت السنغال تشرع في تجربة جديدة من التعايش السياسي داخل المعسكر الحاكم، أو ما إذا كانت تواجه بداية عملية إعادة اصطفاف قد تعيد رسم المشهد السياسي برمته.




