موريتانيا – الاتجاه المعاكس للسياسات

أخبار موريتانيا18 مارس 2026آخر تحديث :
موريتانيا – الاتجاه المعاكس للسياسات

اخبار موريتانيا – وطن نيوز

اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-18 05:11:00

في السياسة، لا تحدث نقاط التحول دائما مع الضجيج، بل غالبا ما تبدأ بخطوات صغيرة تبدو فنية أو مالية على السطح، لكنها في العمق تغير وجه الطريق. وما أن تمضي هذه الخطوات أبعد قليلا، حتى يكتشف الناس أن الطريق الذي ظنوا أنه يمضي قدما، بدأ ينحرف – بهدوء – نحو الاتجاه المعاكس. عندما وصل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، تشكل تصور واضح للروح التي ستميز المرحلة في الوعي العام. وكثر الحديث عن العدالة للفئات الضعيفة والمضطهدة وعن ضرورة أن تميل الدولة كفة الميزان قليلاً لصالح من كانوا أكثر حرماناً من غيرهم. وفي سنواته الأولى، بدا هذا الاتجاه أكثر من مجرد شعار سياسي؛ ومع مرور لحظات صعبة على الاقتصاد العالمي، من جائحة «كورونا» إلى التداعيات الاقتصادية العنيفة للحرب الروسية الأوكرانية، اختارت الدولة ذلك اليوم لتقديم الإغاثة للفئات الأضعف ولقول للمجتمع إن العدالة الاجتماعية ليست مجرد لغة في الخطابات. وعلى الجانب الآخر من هذا التصور، كانت هناك قصة أمل تُروى بهدوء للموريتانيين: قصة الغاز القادم من أعماق البحر… وقصة اقتصاد جديد قد يفتح أبواباً أوسع للرخاء. “مشروع سلحفاة أحميم الكبير” كان يقدم دائماً كدليل على هذا الأفق المنتظر.. أفق تخفف فيه أعباء الحاضر وتُبنى فيه جسور المستقبل. لكن الاتجاه الحقيقي للسياسات لا ينكشف في نقاء الخطاب، بل يصبح واضحا عندما تتم الإجراءات واحدة تلو الأخرى وتبدأ في رسم المسار. في تلك اللحظة بالذات، تسللت الأسئلة بهدوء إلى الوعي العام: هل ما زالت البوصلة تشير إلى الاتجاه الذي قيل لنا أنه كان؟ حدث هذا عندما ترك ما ظهر مؤخراً لدى الكثيرين شعوراً واضحاً بأن الطريق لم يعد يتجه تماماً في الاتجاه الذي كان مرسوماً له في البداية. وفي فترة قصيرة، تم اتخاذ قرارات متتالية: تسريح آلاف عقود العمل، ثم رفع دعم الوقود، وفرض ضريبة على التحويلات النقدية، وأخيراً ضريبة على الهواتف. وكل من هذه القرارات، إذا نظرنا إليها على حدة، قد يبدو مجرد إجراء مالي عابر في حسابات الدولة. لكن عندما توضع هذه الخطوات جنباً إلى جنب، تنكشف صورتها كاملة: أعباء صغيرة تتراكم بصمت، لكنها في النهاية تستقر حيث تستقر دائماً… على أكتاف الفئات التي قيل ذات يوم إن الدولة جاءت لتخففها، لا لتضيف ثقلاً جديداً إلى أعباءها. المشكلة هنا ليست في كل إجراء على حدة؛ وقد تضطر الدول في بعض الأحيان إلى اتخاذ قرارات مؤلمة. لكن السياسة لا تُقرأ من حيث القرارات الفردية، بل من حيث الخيط الذي يوحدها. وعندما توضع هذه الخطوات جنباً إلى جنب، يبدو المشهد وكأنه يتحرك ببطء في اتجاه مختلف عن ذلك الوعد الأول الذي قال إن الدولة ستقف أقرب إلى الفئات الأضعف. ويضيف توقيت هذه السياسات طبقة أخرى من القلق. ويشهد العالم اضطرابات متزايدة في أسواق الطاقة والغذاء، بدءا من تداعيات الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، ووصولا إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وهي ظروف عادة ما تجعل الحكومات أكثر حذرا في تحميل المجتمعات أعباء جديدة. وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن للسياسة الهروب منه: أي طريق نريد أن نسلك؟ طريق يخفف العبء عن المجتمع حتى تمر السفينة بالعاصفة، أم طريق يطلب من الركاب مزيدا من الصمود والأفق لا يزال غائما؟ لا تفقد المجتمعات ثقتها بسبب قرار واحد، لكنها تبدأ بالقلق عندما تشعر أن البوصلة التي وعدتها بالاتجاه نحو العدالة الاجتماعية بدأت تشير إلى اتجاه آخر. السياسة الحكيمة ليست تلك التي لا ترتكب أخطاء، بل هي السياسة التي تنتبه سريعًا لاتجاه الريح قبل أن تبتعد السفينة كثيرًا عن الميناء الذي وعدت الناس بالوصول إليه. ولعل أصدق ما قيل في ختام هذه المناقشة هو أن الدول، مثل البشر، لا تقاس بما تقوله فحسب، بل أيضا بالمسار الذي ترسمه سياساتها. لا تُبنى المسارات الاجتماعية بإجراء عابر، بل بسلسلة من القرارات التي تحرس الاتجاه. وما بدأ يوماً ميلاً نحو الضعفاء يجب أن يظل كذلك، لأنه إذا بدأ الطريق ينحرف قليلاً اليوم، فقد يكتشف من يسير عليه غداً أنهم ابتعدوا كثيراً عن الاتجاه الذي ظنوا أنهم يتجهون إليه.

اخبار موريتانيا الان

الاتجاه المعاكس للسياسات

اخبار اليوم موريتانيا

اخر اخبار موريتانيا

اخبار اليوم في موريتانيا

#الاتجاه #المعاكس #للسياسات

المصدر – الأخبار