موريتانيا – تحصين الشباب.. البوابة الأعمق لاستكمال النهج الموريتاني في مواجهة الفكر المتطرف

أخبار موريتانيامنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
موريتانيا – تحصين الشباب.. البوابة الأعمق لاستكمال النهج الموريتاني في مواجهة الفكر المتطرف

اخبار موريتانيا – وطن نيوز

اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-26 05:56:00

لم يعد الفكر المتطرف في عالمنا المعاصر انحرافا فرديا معزولا، ولا نزعة نفسية ملحة، بل أصبح ظاهرة معقدة تتشابك فيها عوامل اختلال الفهم الديني، والاضطراب الفكري، والاختلالات الاجتماعية، والاستغلال الخبيث لحماس الشباب والتدين الفطري، مع الإمكانات الهائلة التي يوفرها الفضاء الرقمي والإعلامي لنشر الشكوك، وتعزيز الخطاب المتطرف، وتزيين مسارات العنف والقطيعة مع المجتمع والدولة. ومن هنا فإن مواجهة هذا الفكر لا يمكن أن تبقى مرهونة بالمعالجة الأمنية وحدها، ولا أن تتحول إلى رد فعل بعد حدوث الاستقطاب والانحراف. بل يجب أن تندرج ضمن نهج وطني شامل، يقوم على مزيج من الحزم في مواجهة الخطر، والحكمة في تفكيك منطلقاته، والاستباقية في منع أسبابه ومداخله. وفي هذا السياق، تبرز المقاربة الموريتانية كتجربة تستحق التأمل. ولم يتوقف الأمر عند حدود الردع أو الاحتواء الأمني، بل اعتمد -في جانب مهم منه- على مكانة البلاد العلمية والقانونية، وعلى مكانة العلماء، وعلى تقاليد التحريم الشنقيطية التي عرفت تاريخيا بالجمع بين الفقه المتين، وتنقية السلوك، والاعتدال المذهبي، والانضباط الطائفي، والتربية على احترام الجماعة ونبذ التطرف. وقد تجلى هذا البعد العلمي الإصلاحي في الحوارات العلمية والمراجعات الفكرية التي أجراها العلماء والدعاة مع بعض ضحايا الفكر المتطرف داخل السجون، حيث تمكنوا – بقوة الحجة الشرعية، والبيان الهادئ، وسعة العلم، وحسن فهم النصوص والمقاصد – من إقناع عدد من ضحايا هذا الفكر بالرجوع عنه، والتوبة من مساراته، والتنصل من تأويلاته الفاسدة وأقواله المنحرفة. ولا شك أن هذا النجاح يمثل وجهاً مشرقاً في النهج الوطني. لأنه يؤكد أن الكثير من ضحايا التطرف وقعوا بسبب الخلط وسوء الفهم والتفسير الفاسد. ولو وجدوا من يحاورهم بعلم، ويكشف لهم عيوب تفكيرهم، ويعيدهم إلى مبادئ الشريعة ومقاصدها، لأمكن إنقاذهم من أوهام الكفر والعنف والغربة عن المجتمع. ويكشف هذا النجاح أيضًا عن أهمية المرجعية العلمية العقلانية في مواجهة سلطة الخطاب المتطرف الباطلة، ويثبت أن العلماء عندما ينزلون إلى مجال المعالجة الفكرية ويتقدمون في الصفوف بالحجة والبصيرة، يكون أثرهم كبيرًا في إعادة بناء الوعي، وتصحيح المفاهيم، وإعادة إدماج المنحرفين في المجال الديني والاجتماعي السليم. إلا أن الإنصاف العلمي يقتضي، ونحن نشيد بهذا المسار العلاجي الناجح، أن نبين بوضوح أن هذا العلاج يبقى علاجا بعد حدوث المرض، وليس وقاية قبل حدوثه. وهذا يعني أن نجاح الحوار مع بعض المتضررين من الفكر المتطرف داخل السجون، على الرغم من أهميته، لا ينبغي أن يصرفنا عن الحقيقة الكبرى في موضوع السياسات العامة والإدارة الاستراتيجية، وهي أن الوقاية خير من العلاج، وأن حماية الشباب من الوقوع في شباك التعصب والتطرف أقل تكلفة، وأعظم أثرا، وأدوم من انتظار الانحراف ثم السعي إلى إصلاحه بعد أن يستقر في النفوس أو يترجم إلى سلوك وممارسة. وذلك لأن الفكر المتطرف لا يهبط على الشباب دفعة واحدة، بل يتسلل إليهم عبر منافذ متعددة: عبر الجهل بأصول الدين ومقاصده، عبر القراءة المجزأة للنصوص، عبر الانبهار بالشعارات الحماسية، عبر الشعور بالضحية دون امتلاك أدوات الفهم والتحليل، ومن خلال الفراغ الثقافي الذي يجعل بعض الشباب فريسة سهلة للخطابات التبسيطية التي تقدم نفسها على أنها أصدق تعبير عن الدين وغيرة عليه. ولذلك فإن المواجهة الحقيقية لهذا الفكر تبدأ قبل السجن، وقبل الجريمة، وقبل الاستقطاب، وتبدأ تحديداً ببناء الوعي السليم، وخلق الحصانة الفكرية، وتكوين الشخصية الدينية والوطنية المتوازنة. ومن هنا جاءت الحاجة الملحة إلى التوجه الموريتاني لمواجهة الفكر المتطرف لحماية الشباب من ملوثه، من خلال إدراج مواجهته في المناهج التعليمية، وتعزيز البرامج الثقافية والإعلامية، وتكثيف الحملات التوعوية الهادفة. فالمؤسسة التعليمية ليست فقط مساحة لتدريس المعرفة المجردة، بل هي – في جوهر رسالتها – مصنع للوعي، وميدان لتكوين التصورات، وبناء الاتجاهات، وترسيخ منظومة القيم. وإذا كانت الجماعات المتطرفة تراهن على اختطاف وعي الشباب، فإن مؤسسات المواجهة الأولى والأحق بالحشد هي المدرسة والمعهد والجامعة. ولذلك، لا بد من أن تشتمل المناهج التعليمية – في مراحلها المختلفة – على مواد ومحتوى صريح ومدروس يعالج قضايا التعصب والتطرف من منظور علمي وتربوي متكامل. وليس المقصود من ذلك مجرد تضمين شعارات عامة عن التسامح والاعتدال. بل المطلوب بناء وحدات معرفية وتعليمية تعرف الطلاب على مفهوم الوسطية في الإسلام، والفقه وآداب الاختلاف، وحدود الاجتهاد وضوابط الفتوى، ومقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والأعراض، وخطر الاندفاع في الكفر والبدع والفجور، والتمييز بين الجهاد الشرعي والفوضى العنيفة، وبين الغيرة على الدين والعدوان على الخلق، وبين الشريعة. النص وفهمه. منحرف. كما ينبغي تقديم هذه المحتويات بطريقة تعزز النظر النقدي، وتحمي المتعلم من الاستقبال الساذج لكل ما يقدم له على المنصات الرقمية ومنصات التواصل. وعندما تُبنى المناهج على هذا النحو، فإنها لا تنتج مجرد طالب يحفظ المعلومة، بل شابا يمتلك أدوات الفهم والتمييز، يستطيع أن يكتشف بنفسه نقائص الخطاب المتطرف، ويعيد الشبهة إلى أصلها، ويفهم النصوص في ضوء عالميات الشريعة ومقاصدها وسياقاتها، لا في ظل قراءة سابقة لأوانها تقوم على اقتطاع النص من مكانه، وعزله عن شروطه، وإهمال النص. تفسير العلماء له، ومن ثم تحميله بدلالات العنف والقطيعة التي لا تحتمل. وإذا كانت المدرسة تبني العقل فإن الثقافة والإعلام يساهمان بقوة في تشكيل الضمير العام وخلق المناخ العقلي الذي يتحرك فيه الشباب. لذلك، يجب أن تصبح البرامج الثقافية والإعلامية شريكاً أساسياً في معركة الوقاية من التطرف، وليس مجرد مساحة للترفيه أو التغطية العابرة. والمطلوب هو إنتاج خطاب ثقافي وإعلامي ذكي ورصين ومقنع، يخاطب الشباب بلغتهم، ويجيب على أسئلتهم الحقيقية، ويفكك البنية النفسية والقانونية للفكر المتطرف، ويطرح البديل المعرفي والقيمي بطريقة جذابة ومقبولة لدى الناس. نحن بحاجة إلى برامج حوارية وأفلام وثائقية ومنصات رقمية ومحتوى شبابي تفاعلي يبرز سماحة الإسلام، ويصحح المفاهيم الخاطئة، ويكشف تناقضات الخطاب المتطرف، ويجعل الشباب يشعر أن الاعتدال ليس ضعفا، وأن الانتماء للوطن لا يتعارض مع الانتماء للأمة، وأن التدين الحقيقي لا يتعارض مع التحضر أو ​​السلام الاجتماعي أو الدولة. ولا ينبغي لحملات التوعية أن تكون أحداثاً موسمية أو ردود أفعال مرتبطة بحدث طارئ، بل يجب أن تُبنى كعمل مؤسسي مستمر، يشارك فيه العلماء والتربويون والإعلاميون والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والفاعلون الشبابي. ويجب أن تذهب هذه الحملات إلى الأماكن التي يتشكل فيها الوعي الشبابي فعليا: المدارس والجامعات والمساجد والأندية الثقافية ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتى الأحياء والهوامش الاجتماعية التي قد تكون أكثر عرضة للاستقطاب. والمقصود بالوعي هنا ليس مجرد الترهيب، بل البصيرة: توعية الشباب بحقيقة الفكر المتطرف، وآليات استدراجه، وأساليبه في التلاعب بالمفاهيم، وعواقبه الكارثية على الدين والأمة والأسرة، ومستقبل الفرد نفسه. ولعل من أهم ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الصدد هو أن حماية الشباب من الفكر المتطرف ليست مهمة وزارة محددة، ولا مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية وطنية شاملة. الأسرة هي الحصن الأول في بناء التوازن النفسي والقيمي. فالمدرسة تصقل هذه البنية بالمعرفة والمنهج، والجامعة تعمقها بالتحليل والمناقشة، والمسجد يصقلها بالتوجيه العقلاني، والإعلام يوسع تأثيره في الفضاء العام، وتقوم الدولة بتنسيق هذه الجهود ضمن رؤية موحدة. وكل خلل في هذا التكامل يفتح ثغرة يتسلل من خلالها الخطاب المتطرف. ومن هنا فإن الرهان الحقيقي ليس فقط على إنتاج خطاب مناهض للتطرف، بل على بناء بيئة فكرية واجتماعية وثقافية تجعل التطرف غريبا وشاذاً وغير قادر على أن يتجذر أو ينتشر. وفي هذا الصدد، تمتلك موريتانيا رصيدا ثمينا: تراث علمي شنقيط عريق، وعلماء موثوقون، ومجتمع لا يزال يحتفظ بقدر كبير من الاحترام لمشايخ العلوم الإسلامية، وتجربة ناجحة في الحوار والمراجعات داخل السجون. لكن الحفاظ على هذا التوازن، وتحويله إلى سياسة وقائية مستدامة، يتطلب الانتقال من منطق العلاج بعد الاستقطاب إلى منطق التحصين قبل الاستقطاب. أي من الاكتفاء بإصلاح من وقع في الشرك، إلى العمل على عدم وقوع الشباب فيه مطلقاً. وإذا أردنا أن نلخص جوهر هذه الرؤية في بيان شامل، فيمكن القول: إن نجاح العلماء في إقناع بعض ضحايا الفكر المتطرف بالتوبة داخل السجون يمثل مكسباً وطنياً وعلمياً محموداً، لكنه ليس النتيجة النهائية. بل ينبغي استخدامه كدليل إضافي على ضرورة توسيع المعركة إلى مجال الوقاية. وكما نجح العلماء في تفكيك الانحراف بعد حدوثه، فإن جهود الدولة والمؤسسات والمجتمع يجب أن تتجه إلى منع تكونه بالدرجة الأولى، من خلال التربية الرشيدة، والثقافة الواعية، والإعلام المسؤول، والتنشئة الدينية السليمة، والرعاية الفكرية للشباب. إن الأمم الحكيمة لا تنتظر سقوط أبنائها في حفر التطرف ثم تبحث لهم عن مخرج. بل يبنون فيهم منذ البداية مناعة معرفية وعاطفية وأخلاقية تجعلهم أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الدين والتدين الباطل، وبين النص وتفسيره المنحرف. ومن هنا، فإن النهج الموريتاني في مواجهة الفكر المتطرف سيكون أكثر اكتمالا وفعالية كلما جمع بين المعالجة العلمية لمن انحرفوا بالفعل، والمنع التربوي والثقافي لمن هم في دائرة الاستهداف. وهذا هو النهج العقلاني الذي تلبي فيه الحكمة القانونية متطلبات السياسة العامة. نحن نعالج المصابين، ولكن قبل ذلك نقوم بتطعيم غير المصابين. لأن الوقاية خير من العلاج، ولأن حماية العقول قبل انحرافها أكثر أثرا، وأقل تكلفة، وأنفع للدين والأمة والإنسانية.

اخبار موريتانيا الان

تحصين الشباب.. البوابة الأعمق لاستكمال النهج الموريتاني في مواجهة الفكر المتطرف

اخبار اليوم موريتانيا

اخر اخبار موريتانيا

اخبار اليوم في موريتانيا

#تحصين #الشباب. #البوابة #الأعمق #لاستكمال #النهج #الموريتاني #في #مواجهة #الفكر #المتطرف

المصدر – الأخبار