اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2025-05-31 03:35:00
العودة إلى المدرسة بعد انقطاع طويل هي معركة شاقة، خاصة عندما يكون الانقطاع مستمرا، لكن الإيمان بأن التعليم هو مفتاح تحقيق الطموحات كان قناعة راسخة لدى بشرى التي استأنفت دراستها بفضل مشروع “فرصة ثانية”، وهي اليوم تستعد لمرحلة البكالوريا. تعود بشرى من المدرسة النظامية إلى منزلها، والأمل يشرق في عينيها بمستقبل ترى فيه نفسها إنسانة متعلمة تعمل على تحقيق رغبات أسرتها التي اضطرت في السابق إلى حرمانها من الدراسة بسبب قلة الإمكانيات، والذين كانوا في أمس الحاجة إلى ما تكسبه من العمل اليومي بدلاً من مواصلة تعليمها. لكن جمعية مثقفي الأقران منحتها فرصة ثانية من خلال مشروع تعمل عليه منذ ست سنوات، يسعى إلى تثقيف الأطفال والمراهقين وإعدادهم للعودة إلى المدارس النظامية واستكمال تعليمهم. ويقول محمد علي ولد بلال، أحد القائمين على المشروع، إن مشروع “فرصة ثانية” يهدف إلى إخراج ضحايا المتسربين من المدارس من الشارع، وإنقاذهم من الانزلاق إلى عالم الجريمة. وأضاف في تصريح لصحارى ميديا أن “التعليم هو السبيل الوحيد لإنقاذ هؤلاء الأطفال من هذا المستنقع ومنحهم حياة جديدة”، مؤكدا أن هذا هو الهدف الأساسي لمنظمة “مثقفو الأقران”. فرصة ثانية انطلق المشروع منذ ستة أعوام، عندما بدأ أصحاب المبادرة يطرقون أبواب المنازل في الأحياء الفقيرة، بحثاً عن الأطفال الذين تسربوا من المدرسة، وإقناع أهاليهم بضرورة إعادتهم إلى المدرسة، فهي مفتاح بناء مستقبل أفضل. استلهمت بشرى من الفكرة بصيص أمل، ورأت في المشروع فرصة ثمينة لاستئناف دراستها. وكانت من بين الدفعة الأولى التي تلقت تدريباً لمدة عام في الفصول التابعة للمنظمة، قبل أن يتم تسجيلها في مدرسة نظامية وتلتحق بزملائها في المرحلة الإعدادية. لكن حصص المنظمة لم تقتصر على تدريس المناهج التعليمية، بل ركزت أيضا على غرس الثقة بالنفس والاعتماد على الذات، وهو ما اعتبرته بشرى من أهم الدروس التي غيرت حياتها. وقد أعدها المعلمون لتكون فتاة ذات إيمان وشخصية قوية، قادرة على مواجهة التحديات بالصبر الذي تعتبره مفتاح النجاح. تقول بشرى عن تجربتها: “قبل مثقفي الأقران، لم نعش هذه الحياة، ولم ندرك قيمة التعلم واكتساب المعرفة، لقد غيروا حياتي بالكامل”. أنهت تلك السنة وهي مليئة بالحماس للعودة إلى المدرسة النظامية، فالتحقت بمدرسة الميناء رقم 2، حيث حصلت على شهادة إتمام الدراسة الإعدادية، وهي الآن تتابع دراستها في السنة السادسة من المدرسة الثانوية. مفتاح المهارات السبع داخل قاعات الدراسة بالمنظمة، يسود الصمت أرجاء المكان، لا يقطعه إلا صوت المعلم وهو يشرح الدرس للأطفال، الذين يستمعون إليه باهتمام كبير، وهم يرتدون الزي الرسمي. ويتفاعلون مع المعلم عندما يطلب منهم ذلك، في أجواء تعليمية تنافسية نجحت المنظمة في خلقها، ليس فقط بهدف التعلم، ولكن أيضًا لترسيخ قيم الانضباط والعمل الجماعي. وتشكل هذه الأجواء، كما يقول القائمون على المشروع، الخطوة الأولى نحو إعادة إدماج هؤلاء الأطفال في النظام التعليمي الرسمي، ومنحهم فرصة حقيقية لبناء مستقبل أفضل. ويقول المعلم موسى سيسكو إن منهجيتهم تركز على سبع مهارات، منها الحفظ المطلوب في المدارس، والثقة بالنفس والانضباط، والعمل ضمن فريق جماعي، بالإضافة إلى اللغات المطلوبة والضرورية. الشراكة مع الملكي الأنشطة التعليمية ليست الوحيدة التي تقدمها منظمة “معلمو الأقران”. كما توجد حصص رياضية منتظمة، والتي تندرج ضمن منهج شامل يسعى إلى تنمية شخصية الطفل جسدياً ونفسياً. أبرمت المنظمة شراكة مع نادي ريال مدريد الإسباني، مما مكنها من بناء قاعات مخصصة لكرة القدم وكرة السلة، لتصبح الرياضة وسيلة لتعزيز الثقة بالنفس والانضباط وروح الفريق لدى الأطفال. وتقام الحصص الرياضية في أوقات محددة من الأسبوع، تحت إشراف مدربين أكفاء يعملون على دمج النشاط البدني في البرنامج التعليمي، ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى بناء جيل متوازن قادر على التفاعل الإيجابي مع محيطه. قصة نجاح ينظر محمد عالي إلى هذا المشروع على أنه قصة نجاح حقيقية، بعد مرور ست سنوات على إطلاقه. وقد تمكنت من انتشال عشرات الأطفال والمراهقين من براثن التسرب من المدارس، ومنحتهم فرصة ثانية للأمل والحياة. ويؤكد محمد علي أن إقناع الأسر بإعادة أبنائها إلى المدارس هي المرحلة الأصعب، إذ تعتمد الكثير من هذه الأسر على أبنائها في الدعم اليومي، لكن مع مرور الوقت تقتنع غالبية الأسر بضرورة تعليم أبنائها وتدريبهم على المهارات التي تساعدهم على إدارة حياتهم بكرامة واستقلالية. لا تزال ظاهرة التسرب المدرسي تثقل كاهل النظام التعليمي في موريتانيا، خاصة في المناطق الريفية والنائية، حيث يجبر الفقر وغياب البنية التحتية التعليمية آلاف الأطفال على ترك المدرسة مبكرا، أو عدم الالتحاق بها على الإطلاق. وفي محاولة لمواجهة هذه الظاهرة، أطلقت الحكومة الموريتانية، خلال السنوات الأخيرة، سلسلة مشاريع لتوسيع الخريطة المدرسية، شملت بناء آلاف الفصول الدراسية في مختلف مناطق البلاد، خاصة في الولايات الداخلية، بهدف تقليص المسافات بين المدرسة والمتعلم، وتشجيع الالتحاق بالمدارس النظامية. وسبق أن تعهدت الحكومة، عام 2019، باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لجعل التعليم إلزاميا حتى سن الرابعة عشرة. وبحسب الحكومة، فإن هذا الإجراء يندرج في إطار سياسة وطنية تهدف إلى مكافحة التسرب المدرسي، وخاصة تسرب الفتيات، موضحة أنه سيتيح إعدادا أفضل لطلبة المدارس الثانوية وتمكينهم من مواصلة تعليمهم العالي في المستقبل.




