اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-03 20:21:00
غزة – أخبار القدس: مساء الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لم يتأخر محمد مهدي (35 عاما) في الخروج من منزله الواقع في حي النصر بمدينة غزة، استجابة لطلب ابنته دنيا (11 عاما)، ليشتري قطعة بسكويت وبعض المستلزمات الأخرى من محل بقالة، فسار وسط الظلام الدامس. على مرأى طائرات الاحتلال التي لم تغادر سماء المدينة مع بدء التوغل البري الإسرائيلي في حي النصر بالمدينة.
وكان محمد – الذي يسكن بجوار مستشفى “المهدي” للأمراض النسائية والولادة – برفقة ابنه زين (9 سنوات) الذي أصر على متابعة والده. ولحظة عودتهما من البقالة بعد شراء الأغراض والمؤن وقطعة «البسكويت» التي طلبتها ابنته، دوى صوت انفجار كبير في المنطقة بعد استهداف الطائرات. وأحدث القصف الذي احتل منزلاً قريباً منه دماراً واسعاً في الحي، وطال المستشفى، حيث استشهد داخله نحو 13 شخصاً، بينهم الدكتور باسل مهندي وشقيقه الدكتور رائد وزوجته وأولاده الستة. واستشهد عدد من الجيران والمارة.
وقف محمد مهدي وابنه المرتجف زين فوق منزله الذي تحول هو الآخر إلى ركام، وأعينهما مصدومة. وكان من الممكن أن يكونوا تحت الأنقاض لو لم يغادروا المنزل. ومع وصول طواقم الدفاع المدني التي بدأت أعمال رفع الأنقاض وانتشال جثث الشهداء ومعالجة المصابين. وكان المشهد صادما بالنسبة له. ألقى مظروف الأغراض من يده على الركام، وانتهت خطة العائلة بلحظات عائلية تجعل الأطفال ينسون لحظة عدوان ويفرقون بينهم.
غبار كبير
ولم يكف زين عن البكاء والنداء على أخته وأمه، وفي كل مرة يردد صوته إليه خالي الوفاض وحجم الركام ضخم. أدرك الطفل ووالده أنه لا توجد فرصة للبقاء على قيد الحياة.
يستذكر مهدي تلك اللحظات لشبكة “قدس”، وهو لا يكاد يتمالك نفسه ليروي القصة من شدة الحزن الذي يشغل قلبه، قائلا: “امتلأت المنطقة بالغبار، وبعد دقائق رأيت الناس يأتون يخرجون ويركضون في الشارع، وجثث الشهداء ملقاة على الأرض. ولم أتمكن من تمالك نفسي من شدة الصدمة التي تعرضت لها، فنقلت إلى المستشفى وبقيت ابنتي وزوجتي تحت الأنقاض”.
مهدي يقف أمام مدخل أحد مستشفيات محافظة رفح محاولاً شحن بطارية هاتفه المحمول بعد رحلة نزوح طويلة سبقتها الإقامة في مستشفى “النصر” للأطفال لعدة أيام. ويتوقف عن الحديث عن ذلك قائلا: «لقد عشنا لحظات صعبة أخرى. كان معظم أفراد عائلتي هناك والدتي وإخوتي، وكان القصف العنيف يهطل من حولنا”. حتى تقدمت الدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية، وحاصرت المستشفى ومن ثم اقتحمته”.
وخلال إقامته في مستشفى النصر عاش لحظات صعبة تفاصيلها حية بالنسبة له: «لم نتمكن من النوم لا في الليل ولا في النهار من شدة القصف والأحزمة النارية المتواصلة». الذي لا يستطيع أحد تحمله.
رحلة الخروج
وطلب الجنود من النازحين والمرضى في المستشفى المغادرة، حاملين فقط الحقائب، دون بطانيات أو فرشات. وسلكوا طريقاً من شارع العيون سيراً على الأقدام، مروراً بشارع الجلاء وصولاً إلى شارع صلاح الدين، حتى وصلوا إلى مخيم “البريج” بعد وادي غزة، حيث تمكنوا من ركوب شاحنة نقلت واقتادتهم نحو مدينة رفح جنوب القطاع. ويشهد القطاع تفاصيل مماثلة في رحلة التهجير والهجرة خلال النكبة الفلسطينية عام 1948.
وأضاف: “خلال عملية التهجير شاهدنا حجم الدمار الكبير الذي خلفته طائرات الاحتلال الإسرائيلي، حيث سويت المباني والساحات السكنية بالأرض، ودمرت الشوارع. وعندما اقتربنا من نقاط تمركز آليات وجنود الاحتلال في شارع صلاح الدين، بدأوا بإطلاق النار في الهواء ومن حولنا لتخويفنا. بعض المشاهد التي رآها تحركت أمامه، بينما الساعة السابعة صباحًا وهو يحاول شحن هاتفه.
ومنذ عدة أسابيع، يعيش مهدي حياة صعبة في خيمة داخل أحد مراكز الإيواء في محافظة رفح. وما يجعل الأمر أكثر صعوبة هو فقدان ابنته وزوجته. ويعيش مع ابنه زين وحوالي 13 فرداً من عائلته. يحاول التأقلم مع واقع لم يتخيل العيش فيه في أسوأ أحلامه: “الحياة داخل مركز الإيواء”. الأمر صعب، إذ لا يوجد طعام ولا ماء إلا بصعوبة. نعاني من البرد والاكتظاظ وانعدام الكهرباء والعديد من الأمور الصعبة، لكننا نحاول الصمود والبقاء على قيد الحياة”.
وفي كل مرة يجلس منعزلاً عن الآخرين وهو ينظر إلى المساحة الواسعة أمامه، يأتيه صوت طفلته «دنيا»، مستذكراً ملامحه عندما طلبت منه قطعة «بسكويت».



