W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-20 10:03:34
آخر تحديث:
بقلم : كامل سلمان
ثلاثة نماذج لقيادة الدولة بعد أي عملية تغيير كبيرة تحدث في بعض الدول نتيجة انتخابات أو ثورات أو انقلابات وغيرها. وأذكر هذه النماذج الثلاثة لأنها مترابطة مع واقع اللادولة الذي نعيشه في العراق بعد عام 2003م.
النموذج الأول هو النموذج الموجود في الدول الديمقراطية القديمة، حيث يفوز الحزب المعارض للحزب الحاكم بالتصويت الديمقراطي الحر، كما هو معروف في الأنظمة الديمقراطية، وعند توليه السلطة، يعمل الفائز في الانتخابات على استبدال الخط الأول القادة في الدولة، بينما تحتفظ كافة مؤسسات الدولة بقيادتها وخبرائها وموظفيها. بنفس نمط العمل، ومن ثم البدء تدريجياً في تمهيد الطريق للسياسات الجديدة للحزب الفائز دون المساس بدستور البلاد، ودون التلاعب بالقوانين النافذة، ودون إقالة أي مسؤول خارج نطاق الخط الأول. والمقصود بالخط الأول القيادة العليا والوزراء، إضافة إلى مسؤولي الإدارات الحساسة، أي عمل المؤسسات الحكومية وتركيبتها الثابتة. لعقود من الزمن، ظلوا كما كانوا. وهي مؤسسات تطورت من خلال الخبرة والدراسات العلمية الدقيقة. وهذه المؤسسات هي ثروة من ثروات الوطن وليست ثمرة جهود الأحزاب. لا يمكن لأحد أن يغيرها، وحتى التغييرات التي يراد تنفيذها مع الحزب الفائز يجب أن تخضع لرقابة دستورية صارمة، ويجب أن تكون لهذه التغييرات نتائج إيجابية ملموسة تحسن واقع البلاد إلى الأفضل، كما أن رقابتها شديدة ولا تخضع لمحاباة أو مجاملة.
النموذج الثاني وهو نموذج التغيير الذي حدث في إيران بعد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979م. وبعد انهيار نظام شاهنشاهي وفرار معظم قادة وخبراء وضباط القوات الأمنية والكوادر العلمية إلى خارج البلاد، عملت القيادة الإيرانية، بعد وقت قصير من نجاح الثورة، على استدعاء كافة الهاربين ومن بينهم الضباط. السافاك (جهاز الأمن المعروف في زمن الشاه) وعرض عليهم امتيازات وإغراءات للعمل مع النظام الجديد من أجل البلاد، وليس من أجل المذهب أو من أجل النظام الحاكم، و بصلاحيات كاملة دون وصاية الحرس الثوري الذي تشكل بعد سقوط الشاه. وهكذا تمكن النظام الإيراني من الوقوف على قدميه ومواجهة التحديات: وبسرعة البرق عادت جميع المؤسسات الحكومية إلى العمل بكفاءة كبيرة. أي أن الواقع أجبر النظام الجديد على التضحية بجزء من مبادئه بدلاً من التضحية بالوطن.
النموذج الثالث، هذا هو النموذج الذي حدث في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين. وتم فصل ومتابعة كافة كوادر الدولة وتنفيذ عمليات اغتيال جماعية لقادة البلاد وموظفيها وعناصرها المختصة، وتم استبدال عناصر الدولة الحقيقية بعناصر جاهلة وغير كفؤة. لقد انهارت الدولة وسقطت سقوطاً فظيعاً، ولم تتمكن الدولة من النهوض بعد ذلك. أقدامها حتى بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن. وهذا الخطأ الكارثي سببته عدة دول أرادت تدمير العراق وأولها إيران التي خاضت تجربة غياب عناصر الدولة الكفؤة للنظام السابق والضعف الذي أصابها لولا السرعة في ذلك. تصحيح المسار وإعادتهم إلى العمل. والحقيقة أن العراق دمر وسقط إلى الأبد. اليوم، الدولة في العراق يقودها رجال غير دولة. إن الأحزاب السياسية التي تولت السلطة بعد سقوط نظام صدام حسين تمتلك خبرة في الاغتيالات والعمل التجسسي لصالح الدول الأخرى، وتمتلك خطاب الجهل، وتمتلك الجرأة على السرقة. فكيف سيتمكن هؤلاء اللصوص من قيادة الدولة وهم لا يملكون حتى الولاء للدولة؟
الكفاح والطموح والحلم بمستقبل جميل والتطلع إلى المجد، كل ذلك سقط واختفى مع دخول البلاد بقيادة شخصيات غير حكومية في إدارة الدولة. وسقطت على المستوى الشخصي، وعلى المستوى الاجتماعي، وعلى المستوى الوطني، ومن يحاول التفاؤل ولو بدرجة بسيطة فهو إنسان أحمق يعيش في الغفلة وخداع النفس. لا مزايدات على الحقائق. الدوافع الطائفية والرغبة في الانتقام للطائفة لا يمكن أن تكون طريقاً لبناء الدولة. بل كانوا سببا في تدمير كيان الدولة. لقد سقطت دولة بحجم العراق ومكانتها بين الدول تاريخياً وحاضراً. وهذا وضع ليس له مثيل في تاريخ الأمم، ولم يحدث في أي بقعة من بقاع الأرض. لن تكون هناك دولة بهذه المعايير الضيقة، والانتخابات والمشاجرات والصراخ والضرب والمواكب المليونية وكلام المقاومة ما هي إلا ترقيع للنسيج البالي. إن الدول والمجتمعات تبنى بالعلم والمعرفة والعمل الدؤوب والتخطيط السليم، ولا تبنى بالعنف والانتقام وفرض الأفكار التي لم تساعد منظريها أصلا. أتمنى أن تتحرر العقول من بقايا الماضي وتنظر إلى الحياة بواقعية وتعيد النظر في حساباتها، فالجرح ما زال ينزف وما زالت الخسائر تلحق بهذا الشعب المسكين بسبب هذا التغيير غير الطبيعي. .