البحرين – تجارة الوهم صحيفة الوطن

اخبار البحرين16 مايو 2026آخر تحديث :
البحرين – تجارة الوهم صحيفة الوطن

اخبار البحرين – وطن نيوز

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-16 00:14:00

أمل محمد أمين: في الوقت الذي تتسارع فيه الاكتشافات الطبية وتتطور التقنيات العلاجية بشكل مذهل، يبدو غريباً أن تزداد شهية الناس للشعوذة والوصفات الطبية الوهمية والعلاجات غير العلمية، من جهة أخرى. لكن الحقيقة هي أن هذه الظاهرة ليست دليلا على فشل الطب بقدر ما هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بالخوف والقلق وفقدان الثقة والبحث الدائم عن الأمل. وهذا يجعلني أسألك عندما تمرض، ما الذي تبحث عنه أولاً؟ هل تبحث عن الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة؟ أم أنك تبحث عن الأمل ولو كان مجرد وهم؟ الحقيقة هي أنه عندما يتألم الشخص، فإنه لا يفكر دائمًا بعقلانية كاملة. أنت، مثل أي شخص، قد تشعر بالخوف عندما تسمع تشخيصًا صعبًا أو عندما يخبرك الطبيب أن العلاج يستغرق وقتًا طويلاً وقد لا يضمن الشفاء التام. وهنا يظهر الفرق بين العلم والوهم. الطب يتحدث إليك بلغة الاحتمالات، بينما الشعوذة تعطيك وعودا مطلقة وسريعة. يميل الإنسان بطبيعته إلى من يطمئنه، وليس إلى من يصدمه بالحقيقة. عندما يمرض الإنسان فإنه لا يبحث عن علاج فحسب، بل يبحث أيضاً عن الطمأنينة. الناس لا “يشترون الوهم” دائما لأنهم ساذجون، بل لأنهم غالبا ما يبحثون عن الأمل عندما يشعرون أن الطب لم يمنحهم إجابة سريعة أو شفاء كاملا. الطب الحقيقي بطبيعته معقد: بعض الأمراض مزمنة، وبعض العلاجات تتطلب وقتا، وبعض الحالات ليس لها علاج نهائي على الإطلاق. وهنا تظهر مساحة يستغلها الدجالون أو مروجي “العلاج المعجزة”. هناك عدة أسباب تجعل بعض الأشخاص ينجذبون إلى وهم العلاج، منها الخوف واليأس الذي يجعل المريض أو عائلته على استعداد لتجربة أي شيء عندما يشعر بالعجز. وأيضاً الرغبة في الحل السريع: فالطب العلمي غالباً ما يتحدث بلغة الاحتمالات والمتابعة، بينما يقدم الشعوذة وعوداً قاطعة ومريحة. وكذلك التجارب الشخصية المؤثرة: يقول أحدهم: «لقد شفيت تماماً»، فيبدو الأمر أكثر إقناعاً من دراسة علمية طويلة. والأسوأ من ذلك هو ضعف الثقة. في المؤسسات الطبية: أخطاء بعض الأطباء أو ارتفاع التكاليف أو العلاج الجاف، قد تدفع الناس للبحث عن بديل «أقرب إلى الإنسانية». في بعض الأحيان تقدم وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي العديد من الشخصيات كخبراء أو “مكتشفين” دون رقابة علمية حقيقية. لكن هذا لا يعني أن الطب فشل. حقق الطب الحديث إنجازات هائلة: مثل زراعة الأعضاء، وعلاج العديد من السرطانات، واللقاحات، والعمليات الجراحية التي كانت مستحيلة منذ عقود، والسيطرة على أمراض كانت قاتلة. المشكلة أن الناس يقارنون أحيانًا بين: الطب الذي يعترف بحدوده وإمكانياته، والشعوذة التي تعد بعلاج معين دون دليل. الفرق هو أن العلم يقول: “هذا العلاج قد ينجح إلى حد ما ولدينا أدلة”. أما الشعوذة فتقول: “الشفاء مضمون 100%”. الجملة الثانية أكثر جاذبية من الناحية النفسية، حتى لو لم تكن صحيحة. كما يجب التمييز بين: الطب البديل التكميلي الذي قد يساعد نفسيا أو يخفف بعض الأعراض تحت إشراف طبي، وبين الاحتيال الطبي الذي يدفع المرضى إلى التخلي عن العلاج الحقيقي أو إرهاق أنفسهم. أموالهم. لكن اللجوء المتزايد إلى الأوهام ليس دليلاً على انهيار الطب بقدر ما هو دليل على حاجة الناس إلى تفسير واضح، وتعاطف إنساني، وأمل لا يشعرهم بالعجز. وعندما يغيب التواصل الجيد بين الطبيب والمريض فقد يبحث عن شخص آخر يستمع إليه. يقدم الطب الحديث تشخيصات ونتائج دقيقة مبنية على الدراسات، لكنه غالبا ما يتحدث بلغة الاحتمالات: «قد يتحسن»، «نسبة النجاح مرتفعة»، «العلاج يستغرق وقتا». أما الدجال فهو يقدم مباشرة ما يريد المريض سماعه: «شفاء مضمون»، «علاج نهائي»، «نتائج سريعة». بين صوت العلم الهادئ وصوت الوهم الواثق قد يميل البعض نحو ما يمنحه راحة نفسية ولو مؤقتة. ومع انتشار المقاطع المؤثرة والقصص الفردية، أصبح الكثير من الناس يصدقون التجارب الشخصية أكثر من الدراسات العلمية. إن مشهد شخص يقول: “لقد كنت مريضًا وشفيت تمامًا” قد يكون أكثر تأثيرًا على الجمهور من عشرات الأبحاث الطبية المعقدة. المشكلة إذن لا تكمن في الطب وحده، بل في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع المرض والخوف والألم. فكلما غاب الوعي العلمي، وضعف الثقة، وانتشر اليأس، كلما ازدهرت تجارة الوهم. ولذلك فإن مواجهة الشعوذة لا تكون فقط بمحاربتها قانونياً، بل أيضاً ببناء علاقة إنسانية أفضل بين الطبيب والمريض، ونشر الثقافة الطبية، وتعليم الناس أن الأمل الحقيقي لا يقوم على الخداع، بل على المعرفة والصبر والثقة. أخطر ما في الوهم ليس خسارة المال فقط، بل خسارة الوقت والصحة، وربما فرصة العلاج الحقيقي. بعض المرضى يؤخرون العلاج الطبي في انتظار معجزة يبيعها لهم من يجيد الكلام أكثر من العلم. لذلك، عندما تقرأ أو تسمع عن أي علاج معجزة، لا تدع خوفك يقودك وحدك. تمسك بالأمل، لكن لا تسمح لأحد أن يستغل هذا الأمل ليبيع لك الوهم. قد لا يعدك الطب الحقيقي بالمستحيل، لكنه على الأقل يعتمد على العلم والخبرة والصدق، بينما يعيش الشعوذة دائمًا على استغلال حاجتك للبقاء على قيد الحياة.

اخبار الخليج

تجارة الوهم صحيفة الوطن

اخبار الخليج البحرين

اخر اخبار البحرين

البحرين اليوم

#تجارة #الوهم #صحيفة #الوطن

المصدر – https://alwatannews.net