اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-29 11:03:00
منذ 15 ساعة مختار العوض موسى 284 زيارة mokhtaralawad@gmail.com مختار العوض موسى متى تصبح السياسة أداة لتدمير الوطن؟ متى ستكون أداة للبناء والاستقرار؟ قبل الإجابة على هذا السؤال؛ ويجب أن نعتمد على المفاهيم المشتركة للسياسة، وهي “علم وفن إدارة الشأن العام وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بما يضمن تحقيق المصلحة العامة وتوزيع السلطة والموارد داخل المجتمع”. أو هي “مجموعة الأفكار والقرارات والممارسات التي تستخدم لإدارة دولة أو جماعة، وصياغة القوانين، واتخاذ القرارات، وحل النزاعات، وتوجيه المجتمع نحو أهداف معينة”؛ وأصله لغوياً من الفعل ساس أي تولى الأمر وقاده بحكمة. ومن الناحية الفلسفية، تعني “البحث في كيفية تحقيق الصالح العام”. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت “عملية اتخاذ القرار ملزمة للمجتمع من خلال مؤسسات السلطة”. فهل كانت هذه المفاهيم حاضرة في أداء سياسيي الأمة على مر السنين؟ وهل ساهمت اتجاهاتهم في بناء الأمة أم في تدميرها؟ وإذا تعمقنا في أقوال عدد من الفلاسفة منذ قرون مضت؛ نشعر كما لو أنها كتبت خصيصًا لما نعيشه اليوم؛ وقد حذر كثير منهم من خطورة السياسة عند فصلها عن الأخلاق. ويتحول من أداة للتنظيم والبناء إلى أداة لهدم الأوطان. ويرى المؤرخ والفيلسوف الاجتماعي والسياسي عبد الرحمن بن محمد بن خلدون أن “الظلم ينذر بدمار الحضارة”. قد يكون هذا البيان صحيحا، ولكن ليس دائما في ظل وجود عوامل تدمير أخرى. الدمار الواسع النطاق الذي نشهده؛ ودمرت المدن. مؤسسات منهارة ونسيج اجتماعي ممزق. والسبب في كل هذا ليس الظلم؛ وفي ظل وجود عوامل أخرى أهمها السياسة والأطماع الخارجية على موارد البلاد؛ ووجدت التدخلات الخارجية المرتبطة بها فرصة في وجود «خونة العيش المربح» الذين كنا، حتى وقت قريب، نعتبرهم أبناء وطنهم الصالحين، الذين يرعون له. ولنتأمل ما قاله أرسطوقليس بن أريستون، المعروف بأفلاطون، أحد أشهر الفلاسفة في تاريخ البشرية؛ وتحذيراته من لحظة التحول الخطيرة: «الاستبداد لا يولد إلا من رحم الفوضى»، وأضاف: «أسوأ أنواع الظلم أن يمارس باسم القانون». وهكذا يشير إلى خطورة السياسة عندما تتحول القوانين لخدمة مصالح السياسيين بدلا من الصالح العام، وهذا ينسجم تماما مع ما شهدته البلاد من فوضى عارمة لم تأت من العدم. بل يأتي من بيئة هشة وضعيفة يغيب فيها القانون. ولم تتمكن البلاد من بناء عقد اجتماعي قانوني قوي يحمي الجميع. وهو يردع المخربين والمتسللين والجشعين الذين وجدوا الفرصة لتدمير البلاد ومحاولة طمس هويتها والسيطرة عليها. أما حنة أرندت، فيلسوفة «الشر والثورة»، التي قدمت مصطلح «تفاهة الشر» كمحاولة لفهم الأسباب الحقيقية وراء الشر البشري؛ وخلصت إلى أن الإنسان يصبح شريراً عندما يرفض التفكير؛ وبهذه الطريقة تلفت انتباهنا إلى بعد أخطر عندما تقول: “إن أخطر الشرور هو الذي يتم دون تفكير”. وهذا ما نلاحظه في بلادنا، أن الكثير من الجرائم التي ترتكب اليوم هي بسبب الاعتياد على العنف. وتطبيع القتل وكأنه أمر عادي. وهنا يكمن الخطر؛ حيث يفقد أفراد المجتمع حساسيتهم الأخلاقية؛ ولا يتأثرون عندما يرون رؤوس الموتى وجماجمهم تسبح في بركة من الدماء. أصدر أنطونيو غرامشي، الفيلسوف الإيطالي الذي يعتبر مرجعاً مهماً في زمن الحروب والمآسي، مقولته الشهيرة “تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة”. ويلخص فلسفته في الجمع بين الوعي النقدي بالواقع وتحدياته “تشاؤم العقل” والإصرار على العمل على تحقيق التغيير الإيجابي “تفاؤل الإرادة”. حيث يرى العقل المخاطر والفشل المحتمل، بينما ترفض الإرادة الاستسلام وتدفع نحو العمل المستمر؛ ويرى أن “تشاؤم العقل” يعني أن الذكاء والتحليل يكشفان تعقيدات الواقع، والظروف الصعبة، واحتمالات الفشل. العقل الواعي يرى العوائق بوضوح؛ أما “التفاؤل بالإرادة” فيعني القوة الداخلية التي ترفض اليأس. وتصر على مواصلة النضال والمقاومة. وفي السودان يمكننا أن نرى هذه الرؤية الفلسفية بوضوح شديد. فالحقائق قاتمة والتحديات لا لبس فيها. هناك مخاطر في كل مكان، والموت بالجملة وليس بالتجزئة. لكن الإرادة وحدها هي القادرة على تحويل الألم إلى وعي. فالخراب والدمار دروس تاريخية لا يمكن تكرارها. وهذا هو كارل بوبر، فيلسوف القضايا العلمية، الذي وضع يده على جوهر الأزمة السياسية عندما قال: «ليس السؤال من يحكم.. بل كيف يحكم؟» ظل الصراع السياسي في السودان يتركز على الناس، وليس على بناء مؤسسات قوية تحمي البلاد من الأزمات السياسية. وفي السياق نفسه، يرى أرسطو أن “المدينة تدمر عندما تدار لمصلحة جماعة وليس لمصلحة الجميع”. وهذا يعني أن السياسة إذا لم تحقق الصالح العام والمصلحة المشتركة، فإنها تصبح سبباً مباشراً لانهيار الدولة. وقد تجلى ذلك بوضوح في تهميش عدد من المناطق. وكان سببا مباشرا لاندلاع النزاعات والصراعات المسلحة. ويقول مكيافيلي إن “من يستخدم الخداع والخوف كأساس للحكم قد يحتفظ بالسلطة، لكنه يدمر الدولة”، محذرا من سياسة البراغماتية العمياء التي تضحي بالأمة مقابل بقاء الحاكم. ويرى جان جاك روسو أنه «عندما تتحول السلطة إلى ملكية خاصة، يموت كل شيء». فالسياسة بالنسبة له تصبح مدمرة عندما تنفصل عن الإرادة العامة وتختزل في الحاكم؛ وتكررت هذه الرؤية في عدة فترات حكم في البلاد. أما مونتسكيو فقال: “إن الاستبداد لا يحتاج إلى قوانين كثيرة، بل إلى الخوف فقط”. سياسياً، الخوف لا يبني أمة، بل يفرغها من الحياة. وقد أعطى فريدريك نيتشه وصفاً صادماً للدولة عندما وصفها بأنها “أبرد الوحوش على الإطلاق”. وبهذا الوصف تصبح الدولة آلة قوة بلا قيم، مما يجعل الإنسان فريسة دافعة لغيلان السياسة. ونأمل أن ينجو الإنسان السوداني من هذا الخطر المدمر. وترى الفيلسوفة حنا أرندت أن “أخطر الشرور هو ما يمارس إداريا وقانونيا”، وبالتالي تحذر من السياسة التدميرية للمجتمعات باسم النظام. دون أن يكون هدفها البناء والتنمية وتجريم العنف؛ وإنهاء المحاصصة مهما كان نوعها أو شكلها. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن السودان ليس الدولة الأولى التي تنهار تحت وطأة الحرب، ولا الدولة الأولى التي تمزقها الانقسامات السياسية والقبلية والمناطقية والحزبية الضيقة. هناك العديد من البلدان التي عانت من نفس المعاناة أو أكثر. بما في ذلك جنوب أفريقيا بسبب الصراع العنصري ونظام الفصل العنصري؛ لكنها تغلبت على معاناتها بتحويل السياسة إلى أداة لا لإنكار الألم، بل لإدارته وتحويله إلى أمل يرسي أساساً متيناً لعملية تنموية سامية يشار إليها بلبنان. وهناك جمهورية رواندا التي شهدت أبشع عمليات إبادة جماعية عام 1994. لكنها لم تلين ولم تستسلم لهذا التحدي. وكانت لديها رؤية للتغلب على هذه “الظلامية” من خلال التركيز على التنمية وتوفير الرعاية الخدمية لأبناء البلاد. مما ساهم في التخفيف من أسباب الكراهية والحقد التي كانت سائدة في ذلك الوقت. وتوصل لبنان، الذي شهد حربا أهلية طويلة من عام 1975 إلى عام 1990، إلى اتفاق سياسي أنهى الحرب والقتال. حيث اعتمدت التقاسم الطائفي للسلطة؛ لكنها لم تتمكن من جمع الأسلحة التي بقيت خارج السلطة، ما يهدد بتفجيرات متتالية. والدرس المستفاد هنا للسودان هو أن التسويات التي تبعد السلاح عن الدولة لا تبني السلام، بل تؤجج الانفجار في أي وقت. مما يجعل من الضروري إنشاء آلية فعالة لنزع السلاح. وبوسعنا أن نستفيد من تجربة سيراليون، التي نفذت برنامجاً شاملاً لنزع السلاح وأنشأت محاكم خاصة لجرائم الحرب. وبعد أن استعرضنا تجارب بعض الدول في مواجهة أزماتها؛ وبعد أن بحثنا في هذه التصنيفات الفلسفية؛ ونعتقد أننا في أمس الحاجة إلى إحياء مفهوم «السياسي خادم وليس قائداً». تعزيز فكرة أن “المنصب مهمة وليس شرفاً”، مع العمل على خلق إعلام مسؤول ومهني. الإعلام لا يشيطنة ولا يبرر؛ الإعلام الذي يعمل على رفع الوعي السياسي لدى المواطنين لمنع استغلال الجهل أو العاطفة لتأجيج الصراعات؛ لا ينقصنا ما يكفي من الألم لهذه السنوات الثلاث العجاف من الدمار ومحاولة طمس الهوية السودانية. دعونا نعمل على إدارة التنوع، وبناء السلام، ونشر قيم العدالة الانتقالية الحقيقية؛ دمج الشباب في عملية العمل السياسي؛ إذ أن إقصائهم يفرغ السياسة من قدرتها الإنتاجية والإبداعية. ونؤكد هنا أن بناء السودان لا يعتمد فقط على “حسن نية” السياسيين، بل على نظام سياسي يصحح السيء ويعدل مساره. ويكافئ الخيرين ويحفزهم على المزيد من الابتكارات التي تدعم الوطن. وأن نتذكر أن الخروج من الكارثة يبدأ بفكرة عادلة؛ وإرادة شجاعة؛ ومشروع وطني يعترف بالجراح ويعمل على تضميدها. وفي الختام، السودان لا يحتاج إلى المزيد من السياسيين الأذكياء، بل يحتاج إلى رجال دولة وسيدات دولة يفهمون أن السياسة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون حرفة سلطة، وأن الحكم ليس غنيمة، بل ثقة ثقيلة أمام التاريخ والأجيال القادمة. إن الخروج من هذا النفق المظلم لا يبدأ بصفقات هشة، ولا بقلب الوجوه، ولا تجميل الخراب بالخطابات الجوفاء، بل يبدأ بقرارات شجاعة تعيد للدولة مكانتها، وتحصر السلاح بين يديها، وتضع حداً لاقتصاد الحرب، وتؤسس لعدالة انتقالية حقيقية، لا انتقائية ولا انتقامية. إننا بحاجة إلى عقد وطني جديد يقوم على الحد الأدنى من القيم العالمية: وحدة السودان، وحرمة الدماء، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية، والتنمية العادلة. إن السياسة تدار بالعقل وليس بالغريزة، وبالحوار وليس بالبنادق، وبالمؤسسات وليس بالأفراد. وليعلم الجميع أنه لا سياسة بالسلاح خارج الدولة، ولا سلام مع الإفلات من العقاب، ولا وطن مع الإقصاء والكراهية. إن استمرار النهج القديم لن ينتج إلا حربا مؤجلة وانهيارا أشد خطورة. لقد دفع السودانيون ثمنا باهظا من دمائهم وأحلامهم، ولم يعد لديهم ما يخسرونه سوى وطنهم نفسه. ومن هنا فإن المسؤولية التاريخية تفرض على النخب السياسية أن ترتقي إلى مستوى التضحيات، وأن تختار: إما سياسة تبني الدولة، أو سياسة لعنها التاريخ. الأوطان لا تنقذها النوايا الطيبة، بل تنقذها الإرادة الصلبة، والرؤية الواضحة، والعمل الصادق.. والسودان يستحق ذلك، وأكثر. والله من وراء القصد.




