اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-31 14:05:00
الرقة ليست مجرد مدينة دمرت أو أهملت، ولا يقتصر الأمر على النفط والقمح والكهرباء، ولا على الأزياء المزخرفة أو التراث الشعبي الذي يمكن الاستناد إليه عند الحاجة. الرقة هي مثال حي لمدينة تم منع النجاح منها عمدا. منذ عهد نظام الأسد، لم يتم التعامل مع هذه الجغرافيا كمساحة يسكنها بشر أصحاب حقوق، بل كخزان للموارد التي تنضب بصمت، في حين تم تقديمها في الوعي العام بشكل مجزأ يبرر إقصائها وتهميشها. على مدى عقود طويلة، كانت الرقة ومناطق الجزيرة والفرات معزولة فعلياً، ومصنفة على أنها مناطق “نامية” على الرغم من كونها العمود الفقري للاقتصاد السوري. وتم تقديمها كمناطق لإنتاج النفط والكهرباء والقمح، أي ثروة البلاد الاقتصادية، دون أن ينعكس ذلك على تعليم سكانها أو خدماتهم أو تمثيلهم السياسي الحقيقي. ولم يكن هذا التهميش اقتصاديا فحسب، بل ترافق مع تهميش ممنهج ثقافي وعلمي وخدمي ووظيفي، تم خلاله الترويج لسكان هذه المناطق بصور نمطية قللت من أهليتهم للجنسية، وبررت حرمانهم المزمن من حقوقهم. وعلى النقيض من هذه الصورة، لم تكن الرقة أبدًا مدينة فارغة أو هامشية ثقافيًا. وهي مدينة وريف يضم عدداً هائلاً من حاملي الشهادات الجامعية والماجستير والدكتوراه، في مختلف التخصصات. عرفت الرقة منذ عقود بأنها عاصمة القصة القصيرة في سوريا، ومر بها أدباء ومثقفون كبار، وخرج منها شعراء وأدباء وفنانون، بعضهم لهم حضور يتجاوز السياق المحلي، ويعرفهم المختصون. وقد تم تجاهل هذا الرصيد الثقافي والإنساني عمدا، كما تم تهميش المدينة نفسها، في محاولة مستمرة لاختزالها في صورة تخدم سياسات الإقصاء. الرقة اليوم ليست كما عرفها تاريخها. تغمر مياه الشتاء شوارعها الطينية، وتتعرض المنازل لخطر التصدع، والخدمات الأساسية شبه غائبة. وفي حي الرميلة، يكفي السير مسافة قصيرة لتفهم حجم المعاناة: الطين يصل إلى الركبة، والمياه تغمر المنازل، ولا يوجد رصف أو صرف صحي. هذا المشهد لا يلخص أزمة موسمية، بل تراكم عقود من الإهمال البنيوي، حيث يتم سحب الموارد من المدينة دون إعادة استثمارها في حياة سكانها. وكان هذا الواقع أحد دوافع مشاركة الرقة المبكرة والفعالة في الثورة السورية، وكانت المدينة الأولى التي خرجت من سيطرة النظام عام 2013، إلا أن غياب أي مشروع حقيقي لبناء إدارة مدنية، أو دعم المؤسسات المحلية المستقلة، فتح الباب أمام الفوضى وسيطرة السلاح. وتحول السكان إلى رهائن لدى القوى المتصارعة، وتأسس نمط الحكم بالقوة بدلا من الدولة. ومع سيطرة التنظيمات المتطرفة، دخلت الرقة مرحلة غير مسبوقة من القمع. تم إفراغ المدارس من محتواها، وتجنيد الأطفال قسراً، وتحويل الساحات العامة إلى مسارح إعدام، وحرمان النساء من أبسط حقوقهن. يروي أحد السكان أن الخوف أصبح اللغة الوحيدة في الشارع، وأن كل حركة كانت محسوبة، في مدينة أُغلقت فيها الأماكن العامة والخاصة. ولم يكن هذا حدثا منعزلا، بل نتيجة مباشرة لفراغ سياسي وأمني طويل. ثم أعقبت المدينة فترة طويلة من سيطرة ميليشيا قسد، حيث تركزت السلطة والموارد بشكل كامل في يد هذه الميليشيا، وهو ما أكمل نمط الاستغلال والتهميش الذي عرفته الرقة منذ عقود، قبل أن تخرج المدينة عن سيطرتها مؤخراً. وخلال الحملة العسكرية التي تلت ذلك، تعرضت أحياء بأكملها لأشد أنواع الدمار، بما في ذلك الثكنة، وحي الحرامية، وشارع المنصور، وتل أبيض، 23 شباط، والجنة. وقد أثر هذا الدمار على البنية التحتية الحيوية، تاركاً المدينة مثقلة بإرث عمراني واجتماعي يعقد أي محاولة جادة للتعافي دون معالجة أسبابه. وفي المرحلة اللاحقة، تمت إدارة موارد الرقة مركزيًا، حيث ظل النفط والأراضي الزراعية والمعابر والمساعدات خارج نطاق استفادة السكان. واعتمدت السلطة القائمة على واجهات اجتماعية مصطنعة لتوفير شرعيتها الشكلية، في حين غاب التمثيل الحقيقي للمجتمع المحلي. ومع تصاعد سياسات التجنيد والاعتقال، غابت شريحة كبيرة من الشباب، إما بالهجرة أو الاختفاء، مما حرم المدينة من قدرتها الأساسية على إعادة البناء. يقول أحد سكان حي الدرعية إن المخدرات أصبحت واقعا يوميا، وأن الشباب مدمنون أو هاربون أو مضطهدون، في مدينة تركت دون حماية اجتماعية حقيقية. ومع التحولات الميدانية الأخيرة وخروج مدينة الرقة من سيطرة ميليشيا قسد، يبقى السؤال الجوهري مفتوحاً: هل ستنكسر هذه الدورة الطويلة من التعامل مع الرقة على أنها غنائم، أم سيتم إعادة إنتاج نفس السياسات بأدوات مختلفة؟ تجربة المدينة تجعل هذا السؤال مشروعا، وتؤكد أن المشكلة لم تقتصر أبدا على طرف واحد، بل في نمط مستمر من الإقصاء وغياب المشروع الوطني الشامل. واليوم، لا يزال الخوف هو الواقع الأكثر وضوحًا في حياة السكان. عندما يصبح الخوف هو القاسم المشترك، حتى العواطف تتحول إلى اصطفافات قسرية، وتغلق المساحات أمام الأسئلة المشروعة. الحرب لا تنتظر الإجابات، لكنها لا تلغي الحاجة إليها. الرقة ليست المدينة التي فشلت، بل المدينة التي أُجبرت على الفشل. إن استعادة كرامتها وكرامة أسرتها ليس مسألة تعاطف عابر، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. إن استعادة العلاقة بين الرجال والنساء السوريين، بكل تنوعهم واختلافهم، تبدأ بالاعتراف بأن هذه الجغرافيا وشعبها جزء لا يتجزأ من سوريا، وليس جزءاً هامشياً منها. سوريا بلد للجميع. وسوريا التي لا تهمل شعبها، عليها ألا تهمل ما يجمعنا.



