السودان – جرحي وألمي – ومجموعة مختارة من رسائل الغربة

أخبار السودان1 فبراير 2026آخر تحديث :
السودان – جرحي وألمي – ومجموعة مختارة من رسائل الغربة

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-31 13:38:00

د. عبد المنعم عبد المحمود العربي. يناير 1980 كان باباً انفتح على مصير لم نعرف تضاريسه. “هجرة كتبها القدر.” في شبابنا المبكر، حملنا أكياس الأحلام والهم، ونفذناها. اكتشفنا لاحقاً أن الغربة ليست فقط بعداً جغرافياً يبعدنا عن وطننا، بل هي زمن معلق بين ذكرى تشتعل شمعتها دائماً، وواقع مرير يقشعر له القلب، لا يحتمله إلا صبر الفرسان الجُلد حقاً. بمعنى آخر، «نززحنا»، لنشعر بالحرية، ولنحافظ على كرامة المهنة «التي بدأ الاستهانة بها»، ولنحترم إنسانيتنا، لنستفيد كثيراً من تلك العائلات الكريمة التي كانت تعد الأيام والشهور والسنين، تراقب خطواتنا، تنتظر قطف الثمار. صبرها ودعمها اللامحدود لأهلنا النازحين، وكان هدفنا أيضاً بناء الحياة الزوجية ككيان معماري جميل ومتين “وفق القواعد” التي خططناها بحبر الأمل الأخضر. وفي الغربة تعلمنا ونحن صغار الصبر والاعتماد على النفس، وتعلمنا التأمل والتفكر والاحتمال. لقد تعلمنا عندما نحتاج إلى الآخرين لمساعدتنا ومساعدتهم. المنفى وحيد ومرير. وهو معسكر دولي كبير، بل وسجن ضروري إذا سئم الوطن من شعبه. سجن تكون فيه الكلمات الجميلة والهادفة وقوداً للذاكرة، تشعل نار الشوق في قلوب من فرقتهم المسافات. وفي ظلمة الغربة، تبادلت الرسائل الصادقة بريقها، «كأنها شمعة»، تتحمل ضراوة الريح. منذ يومين كنت في عزلة، وكنت أحوم بأفكاري وتأملاتي بين الأرض والسماء. ومن دون موعد أو توقع، بعد سنوات، مثل طائر مهاجر يحمل عبء الذاكرة، تأتيني «رسالة». وصلتني من زميل وصديق عزيز. استيقظت الأشواق والجراح التي كنت أظنها نائمة، وتجدد فيها ألم البعد عن وطننا. وما أصعب نار فراق الأهل والأصدقاء عندما يطول الغياب عنهم وعن الوطن… جددت الرسالة ذكريات ليالي المناوبات الطبية التي جمعتنا مع أطباء من مختلف الجنسيات في ذلك المستشفى، والجلسات الاجتماعية والموائد الحلوة التي جمعتنا كعائلة سودانية واحدة في راحة وسكينة، وكأنهم ولدوا اليوم، أكرر. ولا بد أن نفينا من الوطن كأطباء شباب مع آخرين في الشتات منذ عقود لم يحدث من خلال رعونة أو مراهقة شبابية، بل من خلال نضج فكرة. البحث عن الكرامة واحترام الذات والمهنة، عن لقمة ليست سهلة، وعن حياة نبنيها بحجر الأمل الذي لا ينكسر حتى ينكسر. لقد نجحنا، وبفضل الله وتوفيقه، كنا خير سفراء للوطن. أوفينا الرسالة، وحافظنا على الأمانة، وعلى مر السنين دفعنا لخزينة الدولة ضريبة المغتربين «بالدولار». ولم نكن نعلم أننا، بالإضافة إلى ضريبة الاغتراب، سندفع أيضاً ضريبة حلم العودة.. حلم حولته الأيدي إلى سراب. كما اشترينا أرضاً للسكن «حلالاً وحسناً» بآلاف الدولارات المجانية، «نؤدي قسماً، وتعرق جبيننا، ونسهر ليلاً» في المستشفيات، ونسافر عبر المطارات. حتى أننا دفعنا الرسوم الباهظة مقابل خدماتها وتخطيط ساحاتها، لكنهم لم يروا النور حتى يومنا هذا! الساحات نفسها وحتى الشوارع أصبحت مباحة و«الله أعلم» والخرائط التخطيطية التي تعرفونها، تحولت إلى مساكن تم تخصيصها فيما بعد لمن يهمه الأمر. علمنا لاحقًا أنه “كذب علينا” في يوم العرض والترويج. آمنا، وقيل: صدق المؤمن. ولكن يوم القيامة نشهد، وتشهد الأرض على الذين أقاموا فيها بغير الحق. ولعلي أعود إلى هذا المعنى في مناسبة أخرى. وقد أجبت على صديقي وزميلي الموقر بالتحية الطيبة العطرة. تذكرت الكثير وقلت الكثير (العام والخاص، الحرب اللعينة، وأحداثها المستمرة). وهنا «أوجز» وهكذا اختتمت رسالتي إليه: عزيزي والله لم ننسك…. بل بقيت زهرة ناضرة مشرقة في حقل الذاكرة، تعطر في قلوبنا كلما هبت رياح الشوق. لكن كما تعلمون، المنفى جعلنا صمًا وبكمًا وعميانًا. نرى الخلل ولا نستطيع تغييره. نحب ولا نتعانق. قبل أن تودعك كلماتي وتأملاتي، وقبل أن أودعك يا صديقي، استمع لي. وكما قال شاعر آخر: “تبادلوا معي الذكريات والمشاعر”. هل تسمعون صوت الوطن الجريح؟ هل تتذكرونه وذكراه؟ الزمان والمكان: براءة الطفولة، ودفء المراهقة، ونضج التجربة؟ هل تتذكر رياح وأمطار الخريف، وخرير النيل، وخضرة المنحدرات؟ هل تشم رائحة زهور السنط وتتذوق طعم الليمون والبرتقال والكركديه؟ هل تتذكر وجوه الأحبة، مثل الوجوه المبتسمة والمشرقة؟ هل تتذكر مناسباتهم السعيدة، ومواكب أعراسهم، وسيوفهم، وجمالهم المسرجة والمزخرفة، ورقصاتهم وأغانيهم العذبة؟ هل تتذكرين رسم كل ذلك التراث الجميل والغني والرائع بالألوان والأغاني الزاهية؟ وللأسف، بسبب هذه الحرب اللعينة، أصبحت كل تلك الصور الجميلة ذكريات تظهر لنا، تؤجج خيالنا وتعدينا، يا عزيزي: “جرحي وألمي” يغني: كيف نخون الوطن؟ كيف نخون التراب؟ والتربة لا تخون، أقول بالإضافة إلى ذلك: كيف تخون وهي تعني الوطن، وهو مصدر الزرع والخير والنماء، وضمان المراعي والسهول الخصبة. كيف يخون وهو مصدر الذهب والطاقة المحاصرة. وكيف يمكن خيانتها وهي ضمانة ثبات الجبال الراسية وجدران البيوت التي تعانقنا وتغطينا؟ إنها نعمة رحمة تعانق الراحلين والآباء والأمهات والرفاق، وحتى كل “أسلافنا القدامى”، حتى بعد أن صعدت أرواحهم إلى السماء، الذين لم ينسوا في علاهم الوطن، بل تركوا لنا رسالة هي “وصية حية” تنير أروقة الصمت المهيب: “لا تنسوا الأحلام والآمال التي تركناها خلفنا والتي لم تكتمل”. “لا تنسوا حرمة “التراب وقدسية الأوطان” “حافظوا على عشرة على الوطن” “حافظوا على عشرة على التراب الذي ليس له ثمن” أجيبهم مطمئنا “لن نبيعها بأغلى الأثمان” وأقول: كيف نخونك يا وطني وأنت ومعاناتك جرحنا الذي لا يندمل، وشوقنا لا ينتهي، وفي حبك ينطبق عليك قول الشاعر “كل الناس يحبونك.. يا عالي فيك” بمعنى… كيف أكون في رضاك… أسعد أيامي» *لذلك نعدكم: بإصرارنا «ويقيننا الذي لا ينكسر» سنظل نرسم أمنية واحدة على جدران الغربة: «العودة». عزيزي: هل ستكون هناك عودة مرة أخرى؟ أم تبقى الحروف بيننا جرحًا مفتوحًا ينزف في جسد الغربة؟ رحم الله المرحوم المقيم “الأمين علي سليمان” *ورحم الله كل من رحل عنا أهلاً وأحباباً، ورحم الله أمواتنا وموتى المسلمين، وجعل سوداننا حراً مستقلاً موحداً شامخاً بين الأمم. رحم الله أخيك صديقي العزيز لك كل المودة… ربنا يحفظك ويرعاك tNruhttps://youtu.be/_e4Mvc2oE0g عبد المنعم العربي AA © سودانايل 30 يناير 2026

اخبار السودان الان

جرحي وألمي – ومجموعة مختارة من رسائل الغربة

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#جرحي #وألمي #ومجموعة #مختارة #من #رسائل #الغربة

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل