اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-02 10:00:00
لم تكن إقرار مشروع موازنة العام 2026 في الجمعية العامة للبرلمان بجلستها المنعقدة بتاريخ 29 يناير 2026، حدثا تشريعيا عاديا. وبعد ثلاثة أيام من الجلسات التي شهدت أكثر من ستين مداخلة نيابية، تمت الموافقة على المشروع في أجواء مشحونة بالتوتر والضغوط، ما عكس حجم الأزمة المالية والاجتماعية التي يعيشها لبنان. خارج أسوار المجلس، كانت تحركات موظفي القطاع العام والعسكريين المتقاعدين تشكل ضغوطا قوية على المشهد السياسي، أما في الداخل، فقد طغت حالة من الارتباك والفوضى على المناقشات، مما حال دون إجراء حوار جدي وهادئ حول محتوى الموازنة وأولوياتها. على مستوى المضمون، جاءت التعديلات محدودة للغاية، واقتصرت على عدد قليل من المواد، أبرزها إسقاط المادة التي اقترحت إلغاء الرقابة على التبرعات العينية، في خطوة وصفت بأنها محاولة لتجنب المزيد من التهرب في إدارة الأموال العامة. كما شملت التعديلات وقف المبلغ المخصص لاستئجار مبنى “الإسكوا”، بعد إعادة فتح ملف رسوم الإيجار المرتفعة المدفوعة لشركة “سوليدير” منذ سنوات. تمت الموافقة على الموازنة في مناخ أقرب إلى التسوية القسرية منه إلى عملية تشريعية عادية. وبقي النقاش الحقيقي حول الإصلاحات الهيكلية وضبط الإنفاق وإعادة هيكلة المالية العامة مؤجلاً، فيما طغت الاعتبارات السياسية والظرفية على مضمون القرار المالي الأهم في الدولة. ولذلك تبدو الموازنة المعتمدة أقرب إلى موازنة الأزمة منها إلى موازنة الأزمة. موازنة إنقاذية، إذ تكشف غياباً واضحاً لرؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة تستشرف الواقع المالي للدولة وتحدياتها البنيوية. وهي لا تنطلق من خطة إصلاحية شاملة، بل تكتفي بإدارة الأزمة في حدود ضيقة، من دون معالجة جذورها العميقة. ومن الإيجابيات التي روجت لها الحكومة في سياق إقرار الموازنة تحقيق فائض أولي دون عجز واضح، وهو عنصر مهم في ثقافة الإدارة المالية التي يتطلبها المجتمع المالي الدولي كمؤشر على الانضباط النسبي. كما أشارت وزارة المالية إلى ارتفاع الإيرادات الحكومية بنحو أربعة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى الاستمرار في سياسة التوافق مع المؤسسات الدولية من خلال التمويل والقروض الخارجية التي تشكل ركيزة أساسية لتمويل العجز الإضافي في الاستثمارات والخدمات. ويظهر هذا المسار قدرة محدودة على الوفاء ببعض الالتزامات قصيرة الأجل، ويعطي صورة رسمية عن استقرار الحسابات المالية، وهو ما تقبله بعض هيئات التمويل الدولية. لكن قراءة معمقة لأرقام الموازنة تكشف، في المقابل، بحسب أستاذ الاقتصاد السياسي محمد موسى، مجموعة من السلبيات والمخالفات الجوهرية التي تنطوي على مخاطر مالية واجتماعية وسياسية حقيقية. ولا ترتكز الموازنة على رؤية إصلاحية هيكلية، بل تبدو استمراراً لسياسة تجميد الإنفاق والإبقاء على الوضع الراهن، مع إدخال تعديلات شكلية على الرواتب والاعتمادات، وهو ما يعكس نهجاً “ترقيعياً” بدلاً من الإصلاح الحقيقي. وهو من أبرز أوجه القصور. وبحسب موسى، هناك عدم معالجة جدية للفجوة المالية الهيكلية في الدولة اللبنانية، المتمثلة في التزامات ضخمة مثل إعادة هيكلة سندات اليورو، وحصة لبنان من حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي المقدرة بنحو مليار دولار، ما يكلف الخزينة نحو 40 مليون دولار سنويا، إضافة إلى تكاليف استيراد الوقود وغيرها من الالتزامات المتراكمة. وتظهر هذه الأرقام أن الموازنة لم تعالج جوهر أزمة الدين العام والتزامات الخدمة، بل تركت هذه التحديات تتفاقم. أما العلاقة مع صندوق النقد الدولي، فلم تتضمن الموازنة تنفيذاً واضحاً لشروط الإصلاح المطلوبة لإقرار برنامج متكامل مع الصندوق. بل استمر الاتجاه نحو الاعتماد على القروض الخارجية لتمويل الاستثمار والتنمية، مما يعمق الاعتماد على مصادر تمويل غير مستقرة، بدلا من اعتماد إصلاحات هيكلية تعالج الاختلالات الضريبية والمالية. ورغم أن المفاوضات لا تزال مفتوحة، إلا أنها تواجه تحدي عدم إضافة أعباء جديدة، في ظل تزايد مطالب القطاعات التي خرجت إلى الشوارع. في المقابل، كانت مخصصات الإنفاق الاجتماعي والاستثماري محدودة، إذ تشكل النفقات التشغيلية والجارية نحو 88.9 في المائة من إجمالي الإنفاق، مقابل 11.1 في المائة فقط للنفقات الاستثمارية، وهو ما يعكس خللاً واضحاً في توزيع الموارد وعدم توجيهها نحو أولويات التنمية المستدامة. وقد انعكس هذا الواقع المالي والاجتماعي بشكل مباشر في تحركات العسكريين. المتقاعدون والأساتذة والموظفين، الذين طالبوا بتصحيح رواتبهم في ظل انهيار القدرة الشرائية. لكن الموازنة لم تستجب لهذه المطالب بفعالية، واكتفت بالتعهدات المؤجلة للتفاوض، وهو ما يعكس ضعف الاستجابة لمتطلبات الكرامة الوظيفية والعيش الكريم. وعليه، فإن معضلة اتخاذ القرارات المالية تظهر «في الهواء» من دون قاعدة رقمية مستقرة، وهو ما يظهر بوضوح في موازنة 2026. إن الاعتماد على التمويل الخارجي بدلاً من المعالجات الهيكلية، وغياب خطة واضحة لضبط الإنفاق وتحسين النظام الضريبي، قد يؤدي، كما يقول موسى، إلى تراكم عجز جديد خلال السنوات المقبلة، ورفع المخاطر. التقصير في الدفع. الفجوة بين الإيرادات المتوقعة والنفقات الفعلية، بالتزامن مع الديون المتراكمة والتزامات إعادة الهيكلة، تجعل تنفيذ الموازنة مهمة معقدة، وقد تفرض، كما يشير موسى، تدخلات مؤلمة تشمل المزيد من التقشف أو زيادة الضرائب أو إعادة جدولة الديون بشروط أقل ملاءمة للمواطنين، ما ينذر بتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية في المستقبل. وفي ضوء ما سبق، يرى موسى أن الموازنة تحمل بعض الإيجابيات الشكلية، مثل تحقيق فائض أولي، وزيادة نسبية في الإيرادات، وتعزيز التعاون الدولي، إلا أن لها سلبيات هيكلية. إن تأجيل الحلول الجذرية للفجوة المالية، وضعف الدعم للفئات الأكثر تضررا، وغياب خطة إصلاحية متكاملة تتوافق مع متطلبات صندوق النقد الدولي، يجعل تنفيذها محفوفا بالمخاطر. لذلك، تظهر الموازنة كوثيقة تحافظ على الاستقرار على المدى القصير، لكنها تفتقر، كما يؤكد موسى، إلى معالجة بنيوية لأزمات الاقتصاد اللبناني. إن استمرار الاعتماد على التمويل الخارجي دون إصلاح فعلي قد يؤدي إلى اندلاع أزمات مالية واجتماعية أكثر حدة في المستقبل القريب، الأمر الذي يتطلب مراجعة عميقة للسياسات المالية والاقتصادية بما يحقق الاستدامة والعدالة الاجتماعية.

