تونس – حرية التعبير بين الحماية القانونية والإساءة

اخبار تونس5 فبراير 2026آخر تحديث :
تونس – حرية التعبير بين الحماية القانونية والإساءة

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-05 11:58:00

دولة القانون لا تقوم على منطق الانتقام، ولا على الحماية الانتقائية للحقوق، بل على أساس واضح: حماية النقد السياسي، وتجريم التحريض، وضمان الحقوق للجميع دون ازدواجية. ومن يطالب اليوم بحماية حقه في التعبير لا يمكنه التنصل من مسؤوليته في احترام هذا الحق عندما يكون موجها ضد الآخرين، لأن الحقوق لا يحميها الخطاب الإقصائي، ولا تحميها عندما يتم مبادلتها بالعنف. عمر الوسلاتي * تعتبر حرية التعبير من الحقوق الأساسية التي بدونها لا يمكن تحقيق الحياة الديمقراطية. وقد حرص الإطار القانوني التونسي بعد 2011 على تكريسه كضمانة للنقاش العام، خاصة في الشأن السياسي. ويؤكد المرسوم رقم 115 بشأن حرية الصحافة والطباعة والنشر مبدأ أساسيا ينص على أن الرأي مهما كان شديدا أو لاذعا لا يجرم إلا إذا تحول إلى تحريض صريح على العنف أو الكراهية أو التعدي على حقوق الآخرين. يظل النقد السياسي، حتى عندما يكون صادمًا أو غير مريح، خطابًا محميًا قانونيًا. ويجد هذا التوجه سنده الدستوري في الفصل 55 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، الذي وإن كان يجيز تقييد الحقوق والحريات، إلا أنه يضع شروطا صارمة لذلك تتعلق بالضرورة والتناسب واحترام جوهر الحق، مما يحول دون تحويل القيود الاستثنائية إلى أدوات لإسكات الرأي المخالف أو الانتقام من المعارضين السياسيين. فالأصل هو الحرية، والاستثناء هو التقييد، ولا يفهم هذا الاستثناء إلا في أضيق نطاقه. ومع ذلك، فإن مشكلة حقوق الإنسان لا تنشأ فقط في لحظة الادعاء بانتهاك الحق، بل تنشأ أيضًا عندما يتم إساءة استخدام حرية التعبير نفسها. إن معايير حقوق الإنسان، سواء الوطنية أو الدولية، تميز بوضوح بين النقد السياسي المحمي، ولو كان قاسيا، وبين الخطاب التحريضي الذي يدعو إلى العنف أو الإقصاء أو يبرر الهجوم على المعارضين، وهو الخطاب الذي يقع خارج نطاق الحماية ويدخل في نطاق المسؤولية القانونية. وفي هذا السياق، يظهر التناقض في مواقف بعض الفاعلين السياسيين الذين يشكون اليوم من التعدي على حقهم في حرية التعبير، بينما ساهموا في ممارسات سابقة في تقويض هذا الحق، من خلال الخطاب التحريضي، العلني أحياناً، الصادر حتى من داخل الأماكن التي من المفترض أن تُحترم فيها قواعد النقاش الديمقراطي، مثل قاعة البرلمان. فمثلاً، النائب الذي ورد في الأخبار إيقافه، لم يجرم النظام القانوني النقد السياسي اللاذع الذي وجه إليه، امتثالاً لروح المرسوم 115 وحماية حرية التعبير، لكنه من جهة أخرى، كان من بين الذين أججوا لهيب جواز هذا الحق، عندما تحول خطابه من النقد إلى التحريض ضد الأفراد والجماعات. ومن الناحية القانونية البحتة، لا يجوز إسقاط حقوق أي شخص بسبب كلامه أو ماضيه، ولا يمكن تبرير انتهاك حرية التعبير على أساس “المعاملة بالمثل” أو العقوبة الأخلاقية. لكن هذا لا يمنع من تحميل الناس المسؤولية السياسية والقانونية عن خطاب تحريضي ساهم في خلق مناخ عام معادي لحرية التعبير، ومهّد لانتهاكها عندما انقلبت الدائرة على أصحابها. دولة القانون لا تقوم على منطق الانتقام، ولا على الحماية الانتقائية للحقوق، بل على أساس واضح: حماية النقد السياسي، وتجريم التحريض، وضمان الحقوق للجميع دون ازدواجية. ومن يطالب اليوم بحماية حقه في التعبير لا يمكنه التنصل من مسؤوليته في احترام هذا الحق عندما يكون موجها ضد الآخرين، لأن الحقوق لا يحميها الخطاب الإقصائي، ولا تحميها عندما يتم مبادلتها بالعنف. * قاضي.