اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-10 19:30:00
لم يكن يوم أمس يوماً عادياً في لبنان. كان يوماً ثقيلاً، أحد تلك الأيام التي تمر كالحجر على صدر بلد متعب لا يملك ترف الألم الكامل ولا الحق في النسيان التام. علي… طفل في جنوب لبنان، مر بالصدفة مع والده بالقرب من سيارة مستهدفة، فقبضت عليه الغارة قبل أن يفهم لماذا تكتب مثل هذه النهايات في بلد يفترض أن يحمي أطفاله. ومحمد… طفل في طرابلس. لم يقتل بحرب معلنة، بل بسقوط منزل عليه وعلى عائلته. السقف الذي كان من المفترض أن يكون ملجأً أصبح فجأة فخاً، والجدار الذي كان من المفترض أن يدعم الحياة… يدعمها حتى الغياب. في نفس اليوم، في نفس البلد، على نفس الأرض… استشهد علي ونقل جثمان محمد. طفلان في لبنان انتهت قصتهما مبكراً. ليس لأنهم اختاروا طريقاً خطيراً، بل لأن الخطر في لبنان أصبح هو الطريق نفسه. وهنا يصبح السؤال أكبر من الخبر العاجل وأقسى من الرثاء. لماذا يُقتل أطفالنا على أرضك يا لبنان؟ لماذا يبدو الأمان كرفاهية مستحيلة، وكأننا شعب محكوم عليه بتربية أطفاله دائمًا بالقرب من الحافة؟ وفي بلدان أخرى، يذهب الأطفال إلى المدرسة وهم يفكرون في الواجبات المنزلية واللعب. هنا، يذهبون حاملين في الخلفية خوفًا لا يوصف، وتجربة مبكرة من أن الحياة قد تنكسر دون سابقة. علي لم يمت وحيدا. ومعه مات جزء من فكرة الجنوب كموطن وليس كواجهة. ولم يترك محمد وحده. ومعه انهارت فكرة المدينة كحضن وليس ركاماً. طفلان، لكن القصة واحدة: بلد يحاول أن يعيش من دون ضمانات، واعتاد على الخسائر التي لا ينبغي أن تصبح «طبيعية». الألم ليس فقط في وفاة طفلين. الألم هو أننا نعرف كيف نحزن ولكننا لا نعرف كيف نوقف الأسباب التي تكرر الحزن. الألم هو أننا نكتب أسمائهم بسرعة، ثم نغرق في زحمة الأخبار، ونعود لنحمل نفس الألم عندما يأتي اسم جديد. والأدهى من ذلك… أننا أحياناً نقول “قدر الله” حتى لا ينفجر، في حين أن الحقيقة أن الكثير من هذا الألم ليس قدراً، بل نتيجة تراكم الإهمال والعنف وغياب الحد الأدنى من الحماية الإنسانية. أي بلد هذا الذي يودع أبنائه على دفعتين في يوم واحد؟ أي صباح يمكن أن يبدو عادياً بعد أن يصبح الطفل خبر موت وليس خبر حياة؟ لبنان قدّم في يوم واحد صورتين من الخيبة. مداهمة تختطف طفلاً في الجنوب وسقوط مبنى على طفل في الشمال بين جنوب يتلقى النار، وشمال يتلقى الإهمال… الأطفال يدفعون الفاتورة نفسها. ولعل أكثر ما يؤلمني هو أن علي ومحمد لا يعرفان شيئا عن الخرائط والسياسات والصفقات والوعود. لم يعرفوا سوى معنى أن تكون طفلاً، أن تجري، تضحك، تغضب بسرعة وتسامح بسرعة، أن تحلم بكرة جديدة أو حقيبة أجمل أو يوم بلا خوف. لكن لبنان… لم يمنحهم ذلك اليوم. نكتب اليوم لأن الكتابة هي محاولة أخيرة حتى لا يصبح موت الأطفال خبرا عابرا. نكتب لنسأل لبنان بصوت أجش: كم من الأطفال يجب أن نفقدهم لكي نفهم أن هذا البلد لا يُبنى بالشعارات، بل بحماية الحياة؟ على هذه الأرض، ليس هناك ما هو أكثر خطورة من الحزن الذي ينمو بشكل أسرع من الأطفال.


