اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-13 00:09:00
عندما خرج إلينا كتاب (أضواء في سيرة والدي – محمد بن يعقوب التركستاني – من مجموعات مقالاتهم وخطبهم الطريفة) لابنه الدكتور فهر بن محمد يعقوب التركستاني، الصادر عن نادي جدة الأدبي، تذكرت أن معرفتي به تعود إلى شبابي عندما كان يعد ويقدم برامجه اللغوية في إذاعة جدة في بداية العقد الأول من هذا العام. القرن. أذهلتني كلامه العذب عن أسرار اللغة العربية وجمالها والاختلاف بين الفصيح والعامية، وعلم الدلالات وسحر الكلمات، وتوضيح معانيها، وكيفية بناء اشتقاق اللفظ. وكان يأسرني بما تحمله لغتنا من شواهد ومقولات تؤكد عظمة لغة القرآن. فكنت أدرب سمعي على الكلمات ببلاغة صوته الشجي. ولما كبرت قليلاً أدركت أن لأبي فهر ملحقاً تراثياً فخماً، يقدمه من جريدة المدينة كل أسبوع، ويحيي تراثنا الأدبي واللغوي والثقافي. وسبب نشره هو أن شيخنا قرر تقوية العلاقة بين هذا الجيل وتراثه العظيم والعميق. وزودنا بمعلومات عن أهم مؤلفات اللغة والنحو والبلاغة والشعر، إلى جانب أخبار المؤتمرات والندوات المتعلقة بتراثنا العربي، وكان – حفظه الله – مسؤولا شخصيا عن تنفيذ مادته وتصحيحها ونشرها. لعمري هذا من أصعب الأعمال الصحفية، لذا تجد الملحق مليئا بأذكى الكتاب والمشايخ الذين عرفوا باهتمامهم الكبير بالكنوز العربية منذ عصور مجد اللغة العربية في قرونها الأولى. كما تجد فيه أخبار تحرير المخطوطات، بالإضافة إلى فصول متنوعة في اللغة والنحو والبلاغة، ناهيك عن أسرار القصائد وأصولها. لقد صدر هذا الملحق التراثي منذ زمن طويل منذ صدوره (عام 1392هـ)، ويأتي إلينا كل أسبوع، والقارئ متعطش. وبسبب المواضيع الجذابة والفقرات الطازجة التي يرتكز عليها، كان هذا أول ما اتعاملت معه في الكتابة، وتعلقت بحرفة القلم، لكني ظللت أتساءل عن سر هذا التفوق والعمق المعرفي الذي يتمتع به التركستاني، فهو كان يدفع نفسه باستمرار إلى أعالي العلا، فعرفت أنه ابن حلقات العلم في الحرم المكي. بل سهل الله عليه أخذ العلم من كبار مشايخ العرب بكل سهولة، أمثال: السيد أحمد صقر، ومحمود شاكر، ومحمد متولي. الشعراوي، وأحمد جمال، ومحمد أمين كتبي، ويحيى الجبوري، ومحمد المبارك، وفوزي البشبيشي، ورمضان عبد التواب، وعبد الحكيم حسن، وغيرهم من أساتذة العربية حتى أتقن المعقول والمنقول. ولا عجب أن شيخنا كان على تلك الدرجة من الذكاء الذي عرفه به زملاؤه وطلابه وكل من تابع نشاطه العلمي. وإذا نظرنا إلى الدور العلمي للدكتور أبي فهر وأعماله في مجموعاته الواسعة التي شملت عشرين كتابا. وأذهلنا ما حققه في كتب التراث من دقة بالغة، حيث وضع لنفسه أسلوبا يمكن أن يتبعه من حيث ارتياده لخزائن المخطوطات في جميع أنحاء العالم، وخاصة الدول التي عرفت بكثرة هذه الخزائن. ومضى يبحث في خزائنهم المخفية، ثم يقارن بين النسخ، ويبرز مجالات الاختلاف، وينظر مرة أخرى بعين البصيرة والبصيرة. ثم يدرس النص والهوامش أيضًا، موضحًا بعض المصطلحات المتعلقة بالنص، ويعلق على مواد الكتاب، ويختم تحقيقاته بشكل قطعي. فهارس المصادر، والمراجع، والموضوعات، والآيات، والأمثال، والأمثال، ويفعل ذلك؛ وتفوق بين كثيرين من المولعين بفن التحقيق، بعلمه الواسع ومعرفته الفائقة بهذا الفن. وفي كتابه الفريد في فقه اللغة العربية (منشور عام 1441هـ)، والذي وجدت له القبول والقبول في نفسي، يمكنك أن ترى منهجه في الكتابة، من حيث اختياره للموضوع، وحسن تناول المادة، وقوة حججه المقنعة، مما يجعلك تدرك جمال العربية، وتتذوق خفاياها الرائعة لاستيعابها، وأبرز ما ميزها، وقد بناها على خمسة فصول، مثل: فقه الاصطلاح، تحدث فيه عن العرب والعربية، والاختلاف بين اللغة واللهجة، وفقه الحركات ووظائفها كالثنيات اللغوية والمثلثات أيضاً، وفقه المفردات كأهمية الجرس، وتعدد الأشكال والكلمات، وتقارب الوزن، وفقه التراكيب كالدقة الشديدة والدقة في إيصال المراد، واختتام المراد. وكانت الفصول في فقه الخصائص، من الترادف، والمعارضة، والمشابهات اللفظية، والوقف، والحذف. وجمع الدكتور أبا فهر مع علمه الغزير: التواضع الكبير، والأخلاق الرفيعة، وحسن الخلق، والابتسامة الدائمة التي لا تفارق وجهه كأنها الفجر الصادق، والطمأنينة التي تظهر لك عندما تنظر إليه، والطمأنينة التي ينشئها إيمانه العميق. سيبقى عمل الدكتور التركستاني مطراً يكثر في سماء العرب، ولا غرابة إذا قيل عنه ما قاله الشاعر الدكتور عمر باشاب في قصيدة طويلة، منها: إلى أبي فهر، ويا له من غلام عزمه في الله لا يوجد وهنا لم تتوقف عيني على غنمه شمالاً ولا يميناً.


