اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-15 16:59:00
عنب بلدي – الحسكة محافظة الحسكة، “خزان” السوريين للقمح والنفط، لم تتوقع أن يستمر “الشلل الإداري” الذي أصاب مفاصلها طويلاً، بعد التحولات الكبيرة التي شهدتها سوريا في كانون الأول 2024، وبينما كانت الآمال معلقة على استقرار إداري يحفظ حقوق المواطنين بعد سقوط النظام السابق، إلا أن المحافظة تحولت إلى ساحة لصراع السيطرة بين الحكومة السورية في دمشق و”الحكومة السورية”. “القوات الديمقراطية” (قسد)، مما ترك ملايين المدنيين في خسارة قانونية وإدارية. وحتى شباط/فبراير الجاري، ورغم التطورات العسكرية الأخيرة التي أدت إلى سيطرة الحكومة السورية على أجزاء واسعة من ريف المحافظة، لا تزال مدينتا الحسكة والقامشلي والأرياف المجاورة لهما تحت سيطرة “قسد”، ولا تزال المؤسسات الخدمية الحكومية الأساسية مغلقة، وسط تبادل الاتهامات حول عرقلة عمليتها التي كان من المفترض أن تنهي هذه المعاناة. إرث “المربعات” وثمن السيطرة بعد سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024، سارعت “قسد” إلى بسط سيطرتها الكاملة على ما عرفت بـ”المربعات الأمنية” في مدينتي الحسكة والقامشلي، وسيطرت على مطار “القامشلي” الدولي والمصارف والكليات الجامعية. ولم يكن هذا التحول عسكريا فحسب، بل أعقبه الإغلاق الممنهج للمؤسسات الرسمية التابعة للحكومة المركزية، وهو ما أدى فعليا إلى خروج المحافظة من النظام الإداري للدولة. وشمل الإغلاق مديريات الأحوال المدنية والمحاكم المركزية والسجلات العقارية. وخلق هذا الإجراء فراغا قانونيا، إذ لا تعترف الحكومة السورية بالوثائق الصادرة عن “الإدارة الذاتية”، كما تمنع “قسد” الموظفين التابعين لدمشق من ممارسة مهامهم ضمن مقراتهم الرسمية في المدن التي تسيطر عليها. اتفاق 30 يناير… أجهض الآمال. ومع بداية العام الجاري، وتحديداً في 30 كانون الثاني/يناير، تم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” برعاية أميركية فرنسية، ينص على ترتيب عملية “الاندماج”. لكنها حتى هذه اللحظة لم تساهم في فتح مؤسسات خدمية في الحسكة والقامشلي، وتسهيل حياة المدنيين، وإبرام تفاهمات فنية وإدارية. الناشط المدني “خالد العلي” (اسم مستعار لأسباب أمنية)، قال لعنب بلدي، “كنا متفائلين باتفاق 30 كانون الثاني، وكنا نعتقد أن السياسة ستُنحى جانبًا أمام حاجة الناس إلى الهويات وشهادات الميلاد، لكن ما حدث هو العكس، فكل طرف يستخدم المؤسسات كورقة ضغط، والحكومة في دمشق تطالب بالسيادة الكاملة، وقوات سوريا الديمقراطية ترفض التنازل عن إدارتها الأمنية للمدن التي تضم هذه المؤسسات”. وأدى المأزق السياسي إلى استمرار إغلاق “الشعوب” والمحاكم، حتى بعد استعادة القوات الحكومية السيطرة على مناطق في ريف الحسكة الجنوبي والغربي، في الربع الأول من العام الجاري، ما خلق مفارقة غريبة: الريف يخضع لسلطة دمشق الإدارية والعسكرية، ومركز المدينة (عصب الخدمات) مغلق بقرار سياسي وأمني. معاناة «الأوراق الثبوتية».. رحلة مليوني شخص ويواجه سكان الحسكة والقامشلي صعوبات بالغة في الحصول على الوثائق الشخصية أو تأكيدها، وبات تسجيل مولود جديد أو زواج يتطلب سفراً شاقاً ومكلفاً إلى دير الزور أو دمشق، وهي رحلة تحمل تكاليف باهظة. عدنان الأحمد، من سكان مدينة القامشلي، روى تجربته لعنب بلدي، قائلاً، “كان لدي طفل منذ ستة أشهر، وإلى الآن لم أتمكن من تسجيله في السجلات الرسمية للدولة، دائرة السجل المدني في القامشلي مغلقة، واضطررت إلى توكيل محامٍ في دمشق، حيث تجاوزت التكاليف بما في ذلك رسوم السفر والمعاملات مليوني ليرة سورية، ونحن نعيش في سجن إداري كبير”. ولا تقتصر المشكلة على المواليد، بل تمتد إلى البطاقات الشخصية (الهويات). منصور الحسين، شاب من الحسكة، يعبر عن قلقه من ضياع هويته القديمة أو تلفها: “بدون هوية رسمية لا أستطيع عبور أي حاجز باتجاه المحافظات الأخرى، ولا أستطيع إجراء أي معاملة مصرفية. (الإدارة الذاتية) تعطينا وثائق محلية، لكنها لا تنفعنا إذا أردنا السفر خارج المناطق الخاضعة لسيطرتها أو إكمال تعليمنا في جامعات الدولة”. القضاء والعقارات.. سوق للاحتيال والنزاعات. وأدى إغلاق المحاكم والسجلات العقارية إلى شل النشاط الاقتصادي وتفاقم الصراعات الاجتماعية. آلاف القضايا المدنية والتجارية والأحوال الشخصية (طلاق، ميراث) عالقة منذ أكثر من عام. المحامي “فراس مصلح” (اسم مستعار)، المقيم في الحسكة، أكد لعنب بلدي أن “غياب القضاء الرسمي فتح الباب واسعًا أمام التزوير، خاصة في السجلات العقارية، فهناك عقارات تباع أكثر من مرة لضحايا مختلفين بموجب عقود خارجية (خارج المحكمة) ليس لها أي قيمة قانونية في سجلات الدولة”. وقال المحامي، إن “المواطن اليوم منقسم بين محاكم (الإدارة الذاتية) التي تفتقر إلى الاعتراف الدولي والمحلي من قبل دمشق، والمحاكم الرسمية المغلقة، وهذا الوضع سيخلق كوارث قانونية لن تحل لعقود قادمة، خاصة في قضايا العقارات التي تم تجميدها بالكامل، مما يؤدي إلى ركود اقتصادي مخيف”. أزمة الرواتب وتطبيق “شام كاش” لم تكن المعاناة إدارية فحسب، بل طالت معيشة آلاف الموظفين الحكوميين الذين بقوا في منازلهم أو عملوا في مؤسسات مغلقة. ومنذ بداية عام 2025، توقف صرف الرواتب بشكل منتظم داخل الحسكة، مما اضطر الموظفين إلى السفر شهريًا إلى دمشق أو دير الزور لاستلام رواتبهم، وهي رحلة تستهلك ما يقرب من نصف الراتب. وكحل لهذه المعضلة، أطلقت الحكومة السورية تطبيق “شام كاش” (محفظة إلكترونية) في نيسان 2025، بهدف تحويل الرواتب إلكترونياً. ورغم الترحيب الأولي من بعض الموظفين، مثل أسامة العبد الله، الذي وجد التطبيق وسيلة للتخفيف من عناء السفر، إلا أن قوات سوريا الديمقراطية حظرت التعامل مع التطبيق في المناطق الخاضعة لسيطرتها في مدينتي الحسكة والقامشلي، في أيلول/سبتمبر 2025، معتبرة ذلك اختراقاً لنظامها المالي. هبة الصالح، معلمة في إحدى المدارس الحكومية في القامشلي، قالت لعنب بلدي، “نحن الضحية الدائمة، دمشق تحول الراتب عبر (شام كاش)، و(قسد) تمنع الصرافين من التعامل به أو صرفه، ونضطر للبحث عن أساليب ملتوية أو دفع عمولات عالية لسماسرة لصرف رواتبنا من المناطق الخارجة عن سيطرة قسد، فهل من المعقول أن يتحول راتب الموظف إلى قضية سياسية”. “افصل السياسة عن الخبز والأرواح”. وتسود حالة من التوتر الشعبي بين أهالي الحسكة والقامشلي، الذين يعتبرون استمرار إغلاق المؤسسات بمثابة “عقاب جماعي” غير مبرر. على الرغم من السيطرة العسكرية الجديدة للحكومة السورية على أجزاء من المحافظة، يشعر سكان المدن (الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية) بالنسيان. الشيخ فؤاد، أحد وجهاء المنطقة، أكد لعنب بلدي أن هناك تحركات شعبية تطالب الطرفين بفتح الدوائر الحكومية دون قيود أو شروط. وقال “التقينا بممثلي قسد أكثر من مرة. مطلبنا واضح: عودة المدارس وعودة المحاكم وعودة مديرية الأحوال المدنية. وإغلاق المدارس الحكومية بشكل خاص نعتبره جهلاً ممنهجاً بأطفالنا”. وتشير آراء الأهالي إلى أن سيطرة الحكومة العسكرية على الريف لم تغير من واقعهم الخدمي إطلاقاً ما دامت المراكز الرئيسية في المدن مغلقة، ويعتقد كثيرون أن استعادة الاستقرار تبدأ بـ”الاعتراف المتبادل بالخدمات”، بحيث يتم تحييد المؤسسات التي تمس حياة الناس اليومية من الصراع العسكري. حلول الترقيع وطريق مسدود. الحلول المطروحة حالياً، مثل تطبيق “شام كاش” أو محاولات إدارة المعاملات الشخصية عبر “مكاتب بديلة” في الريف والتي سيطرت عليها الحكومة مؤخراً، هي مجرد “تخدير” للأزمة وليست حلاً لها. محافظة الحسكة، ببنيتها المعقدة وتوزيع سيطرتها، تحتاج إلى أكثر من مجرد اتفاقيات فنية. إنها تحتاج إلى قرار سياسي شجاع يضع حداً لمعاناة الملايين من البشر. بين «قسد» التي تتمسك بالسيطرة الإدارية، والحكومة المركزية التي تؤكد أنه لا مؤسسات دون «بسط السيادة»، يبقى المواطن السوري في الحسكة الخاسر الأكبر، الباحث عن «هوية» تثبت وجوده، وراتب يعيل أسرته، في بلد يبدو أن التوافق فيه لا يزال بعيد المنال. ويبقى السؤال معلقاً في شوارع الحسكة والقامشلي: متى ستفتح الأبواب المغلقة للمديرية المدنية المدنية؟ هل تنجح التطورات الميدانية الأخيرة في فرض واقع سياسي جديد ينهي “الشلل الإداري”، أم ستبقى المدينة رهينة “شد الحبل” بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية؟ متعلق ب




