اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-17 10:01:00
مع اقتراب ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في ديسمبر/كانون الأول 2026، ظهر خطاب سياسي داخلي يحذر من احتمال حدوث “فراغ أمني” في الجنوب، مما قد يؤدي إلى عدم الاستقرار والعودة إلى الصراع المفتوح. لكن يبدو أن هذا القلق ينطوي على مفارقة لافتة، خاصة إذا تذكرنا أن اليونيفيل موجودة في الجنوب منذ ثمانية وأربعين عاماً، لم تحقق خلالها أهدافها الأساسية، وأهمها استعادة سيادة الدولة ومنع تسليح الجهات غير الحكومية. ومع ذلك، فإن احتمال رحيلها يعتبر خطرا وطنيا. وفي الواقع، يكشف هذا التناقض عن الوظيفة الأكثر ديمومة لليونيفيل، وهي إدارة المظاهر. منذ إنشائها عام 1978 بعد أن أطلقت إسرائيل “عملية الليطاني” في جنوب لبنان بهدف تدمير قواعد منظمة التحرير الفلسطينية، ظلت قوات اليونيفيل محكومةً بقيود تجعل نجاحها محدوداً. وتضمنت صلاحياتها ضمان الانسحاب الإسرائيلي ودعم الدولة اللبنانية في إعادة فرض سلطتها، ولكن عمليا كان دورها يقتصر على المراقبة والإبلاغ. ومنذ ذلك الحين، شهد الجنوب أربع حروب كبرى (1982، 1996، 2006، 2023 – 2024) دون أن تتمكن القوة الدولية من منع أي منها. من الناحية الهيكلية، لم تكن اليونيفيل أبدًا مهمة لإنفاذ السلام، بل تم تأسيسها كقوة مراقبة “إجماعية”، تفتقر إلى السلطة القسرية والاستقلال العملياتي. بمعنى آخر، تم تكليفها بتحقيق النتائج الأمنية دون أن يتم منحها الأدوات اللازمة لتطبيقها. وبعد حرب 2006، وسع مجلس الأمن الدولي دوره من خلال القرار 1701، وكلفه بالمساهمة في ضمان خلو منطقة جنوب نهر الليطاني من أي تواجد مسلح خارج إطار الدولة. وعلى الرغم من كونه الهدف المعلن للقرار 1701، كان حزب الله، على المدى الطويل، أحد أبرز المستفيدين من وجود قوات اليونيفيل، حيث سمح له بالادعاء بأنه “ليست هناك حاجة لسيطرة الدولة على الجنوب طالما أن المجتمع الدولي موجود هناك”. وفي الواقع، ساهم انتشار قوات اليونيفيل في تشكيل منطقة عازلة جعلت أي تدخل عسكري من جانب إسرائيل أكثر تكلفة دبلوماسياً، في حين أصبحت أنشطة حزب الله أكثر سرية وأكثر اندماجاً في الهياكل المدنية. خلال الفترة ما بين 2006 و2023، أعاد حزب الله بناء ترسانته إلى مستويات غير مسبوقة، وطور شبكة من الأنفاق العابرة للحدود، وعزز قدراته الصاروخية الدقيقة، وقام بعسكرة قرى بأكملها. ومع ذلك، لم تفرض قوات اليونيفيل أي تكلفة على التوسع العسكري لحزب الله، بل ساهمت فقط في عزل قواتها عن الاتصال المباشر مع الجيش الإسرائيلي. من الناحية الرسمية، كانت قوات اليونيفيل موجودة لمساعدة الدولة اللبنانية، لكنها في الواقع استبدلت السيادة بدلاً من استعادتها. ومن خلال تفويض الوظيفة الأساسية للدولة، أي احتكار استخدام القوة، إلى مهمة دولية غير قادرة على فرض القانون، مهدت الدولة فعلياً الطريق لمأسسة ضعفها. كما ساهم وجود اليونيفيل في تقليل الحاجة الملحة لإعادة هيكلة القطاع الأمني وفرض سيطرة فعالة على الأراضي. وفي هذا السياق، يطرح سؤال أساسي: هل يجب التعامل مع المرحلة الأولى من خطة نزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني ضمن هذا النمط التاريخي نفسه؟ أي تكرار للتحكم الخفي الذي يحل محل التحكم الظاهر. وفي ضوء ذلك، تشير التقارير العسكرية الأميركية، المستندة إلى تقديرات استخباراتية، إلى أن حزب الله لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية في الجنوب ويعمل على إعادة بناء بنيته القتالية. وهو ما يفسر استمرار الضربات التي تنفذها إسرائيل في المنطقة. هذا ليس جديدا. وبعد عام 2006، «انسحب» حزب الله من الجنوب أيضاً، ليس بالمغادرة، بل بالتحرك تحت الأرض. لقد تم دمج البنية التحتية العسكرية في البيئة المدنية، لذا تعاملت اليونيفيل مع غياب المظهر العام، وفق منطقها العملياتي. فهو يؤكد ما يمكن ملاحظته، وليس ما لا يمكن التحقق منه. وطالما ظلت الأسلحة مخفية، واستمر المسلحون في عيش نمط حياة مدني، فإن المهمة تعلن استقرار الوضع. وقد يؤدي انتهاء المهمة إلى تآكل هامش الإنكار الدولي، إذ أتاح وجود القوة الدولية لعدد من الأطراف الدولية، خاصة الأوروبية منها، إعلان التورط والمسؤولية. ومن ثم فإن الخوف ليس من الفراغ، بل من الوضوح. إن اليونيفيل لم تمنع الحرب، ولم تفرض نزع السلاح. وما حققته لم يكن سوى تجميد الصراع وتطبيع السلطة الموازية. وبناءً على ذلك، فإن قوة اليونيفيل لم تفشل لأنها كانت غير فعالة، بل لأنها صممت هيكلياً لإدارة المظاهر بدلاً من تفكيك نظام الأسلحة غير القانوني. وكانت مهمتها إثبات ما لم يعد مرئياً، وليس ما بقي كما كان. ولذلك، أتقن حزب الله “رفض الأسلحة” وتعلم كيف يكون غير مرئي. وفي النهاية، ساهمت اليونيفيل، عن غير قصد، في تدريب حزب الله على كيفية البقاء دون أن يكون مرئياً. ولهذا السبب، وبعد مرور ثمانية وأربعين عامًا، يظل إرثها الملموس هو إدارة الوهم.



