اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-17 10:17:00
زهير عثمان[email protected]
في ثاني ظهور لها منذ اندلاع الحرب، أطلت سناء حمد، القيادية في الحركة الإسلامية، على قناة الجزيرة بكلمات تحتوي على مفردات سياسية وتجديدية تحتاج إلى وقفة وتحليل. وبين حديثها عن السلام و«تجديد» الفكر، وانتقادها للنظام القديم وتحذيرها من «الشعب الذي يريد السلطة» بعد الحرب، فإن الأسئلة الحقيقية تفرض نفسها: هل هذا خطاب جديد حقاً أم ياهو بـ«الذوق» القديم في ثوب جديد؟ «لا للحرب» لكن بشروط العدالة وعدم التلاعب؟ شعار «لا للحرب بالاتفاق العادل» هو عبارة عادلة، لكن المشكلة تكمن في تعريف «العدالة» نفسها. هل تقصدين بها محاسبة أي شخص ارتكب جريمة كائناً من كان؟ هل هناك آليات واضحة لمراقبة وقف إطلاق النار مع جهة دولية محايدة؟ والأهم كيف تدعو إلى السلام وأنت تسكت عن «جموع النفوس» العاملة في الميدان؟ وغياب التفاصيل يجعل هذا الشعار مجرد “كلام لسان” ومفتوح على أي تأويل، خاصة أن الحرب مستمرة ولا يوجد حل سائل. وفي المساءلة، فإن التفاوض هو “مسؤولية الدولة”. هل لهم دولة بينهم؟ لماذا تقول صنعاء إن التفاوض مع حميدتي مسؤولية «الدولة»؟ وهنا في اللغز هل تقصد الدولة بمؤسساتها الحالية تحت يد الجيش؟ أم أنها تقصد دولة انتقالية جديدة تقام بإجماع مدني واسع؟ فكيف سنتفاوض مع طرف متهم بارتكاب انتهاكات مروعة من قبل الأمم المتحدة، دون مرجعية واضحة للمحاسبة؟ الحديث عن «الدولة» دون تحديد شكلها السياسي والقانوني مجرد «إنجاز» وتكريس للوضع الراهن، و«تيار فكري متجدد» ولا مراجعات ناقصة؟ ووصفها لتيارها بـ«المتجددة» وليس «الطريقة الصوفية» هو محاولة للتهرب من الصورة النمطية، لكن هذا التجديد له شروط يجب أن تكون في اعتراف شجاع بالمسؤولية عن الـ30 العام الماضي، ولم يكن مجرد انتقاد لـ«أسلوب الإدارة». موقف واضح وعادل من “عسكرة الدولة” والمجتمع الذي رأيناه. وهذه السنوات كلها ضمانات حقيقية لعدم تكرار تجربة احتكار السلطة باسم الدين مرة أخرى. وغير ذلك من الأمور تبقى كلمة «التجديد» مجرد زينة لغوية لا تتضمن أي إصلاح حقيقي. التحذير من “طالبي السلطة”: خيار ووهم؟ محذرة من أن هناك من يقف مع الجيش «من أجل السلطة». وهذه وجهة نظر، لكن الملاحظ أن التحذير لم يشمل الجشعين من الجانب الطنطاني. وكانت هناك مجموعات من حركة زاتو التابعة لها والتي كانت جزءًا من النخبة الحاكمة لعقود من الزمن. وتعرضوا لمخاطر عودة نفس التشكيلات الأيديولوجية التي كان لها يد في تأسيس المليشيات والدعم السريع زاتو. وعندما يكون النقد «انتقائياً» يفقد مصداقيته، خصوصاً عندما يغض الطرف عن الانتهاكات الجارية حالياً. أما ما يغيب إلى حد كبير فهو إدانة الجرائم الواضحة. وأكثر ما يلفت الانتباه في هذه المقابلة هو عدم وجود إدانة واضحة ومباشرة. بالنسبة لجرائم الحرب، لا توجد سيرة ذاتية للتطهير العرقي في دارفور. لا للقصف العشوائي وتهجير المدنيين. لا للعنف الجنسي وتجنيد الشافعي. في زمن الحرب، بوصلة كل فرد هي موقفه من الجرائم. الصمت عن تسمية المجرمين سواء من الدعم السريع أو الجيش أو المليشيات، يفقد الخطاب شرعيته الأخلاقية. كلام سناء حمد هو محاولة لخلق «وجه جديد» للسياسة، لكنها لا تزال غارقة في العموميات ولا يوجد موقف مبدئي من الانتهاكات. السودان الليلة. نحتاج إلى كلمات مؤقتة، يخت من الخطوط. لا حمراء واضحة للحرب في ظل ظروف غامضة، لا للوصول إلى الكراسي بالبنادق، ولا صمت عن الجرائم.. مهما كان الفاعل، في النهاية، لم يكن اللقاء مجرد مساحة رأي في الاستوديو. لقد كان عملاً إعلامياً دقيقاً، صيغ بعناية، وتحت إشراف مدرسة تجيد إعادة تدوير الخطاب السياسي في لحظات التحول. اختيار المفردات، وتوزيع الرسائل، وتجنب الإدانة المباشرة، واقتراح المراجعة دون اعتراف صريح.. كلها تقنيات معروفة في خلق الصورة العامة في أوقات الأزمات. ولم تكن الرسالة العميقة مجرد “لا للحرب”. وكانت الرسالة: نحن جزء. من المعادلة، وسنبقى جزءاً منها في الحرب.. نحن حاضرون في السلام.. حاضرون في أي تسوية سياسية مقبلة.. ولن نقبل أن نستبعد من الطاولة. وهذا ليس خطاب تقاعد، ولا مراجعة جذرية، بل إعلان عن موقف جديد، وإعادة انتشار سياسي بلغة أكثر ليونة، ولكن بإرادة حضور كاملة، وبكل الأدوات الممكنة. المشكلة ليست ضد أي اتجاه في الوجود السياسي، فهذا حق أصيل. المشكلة في الغموض المتعمد في المسؤولية، وفي تجنب تسمية الجرائم، وفي القفز على سؤال من يحاسب من؟ السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة تسويق الممثلين.. بل إلى إعادة تحديد المعايير. لا مكان في المستقبل لمن لا يحدد موقفه من الدماء بوضوح، ولا شرعية لمن يطالب بالحضور السياسي من دون مواجهة الإرث الأخلاقي لما حدث. بين تألق الاستوديو وظلال الميدان… تبقى الحقيقة أثقل من أي خرج إعلامي.




