اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-28 09:27:00
وجه الواقع إبراهيم شقلاوي shglawi55@gmail.com الحديث عن سعي مليشيا الدعم السريع للطيران العسكري يمكن قراءته على أنه حلقة من حلقات الحرب النفسية التي رافقت هذا الصراع منذ اندلاعه في 15 إبريل 2023. إلا أن منطق السياسة في الحروب الطويلة لا يسمح بمجرد الاستهانة بالإشارات مهما بدت مبالغة، لأن ما ينشر في وسائل الإعلام الدعائية قد يتحول في وقت محدد إلى أداة ضغط استراتيجي في قلب المعركة. ومعلوم أن السودان اليوم لا يواجه ميليشيا جامحة، بل مشروع إقليمي حاول أن يجد في الفوضى فرصة لإعادة هندسة الدولة وفق مصالح تتعلق بالموارد، والموقع الجيوسياسي، والبحر الأحمر، وعمق القرن الأفريقي. وتلقى هذا المشروع ضربة قاضية بصمود الجيش السوداني مسنوداً بالمقاومة الشعبية والمصطفرين والقوات المشتركة وبقية الأجهزة الأمنية، إضافة إلى تمسك الدولة بخريطة طريق واضحة تُقصي المليشيا وداعميها من أي تدوير في المشهد السياسي والأمني تحت أي راية أو عنوان. لكن هذا المشروع، الذي هو على وشك الانهيار، يلجأ في كثير من الأحيان إلى أدوات أكثر خطورة لإطالة أمد الحرب، حتى لو كان ذلك من خلال الحفاظ على بؤرة توتر قادرة على الابتزاز وزعزعة الاستقرار الأمني والسياسي. وفي هذا السياق، أورد موقع ميدل إيست آي تسريبات من مصدر استخباراتي سوداني تفيد بأن الدعم السريع يسعى للحصول على طائرات مقاتلة من طراز ميج 25 وسوخوي سو 24، مع حديث عن شراء ست طائرات من أسواق السلاح في صربيا وتفكيكها ونقلها عبر مسارات محتملة تمر عبر إثيوبيا أو قاعدة الكفرة شرق ليبيا التي تسيطر عليها قوات خليفة حفتر، قبل إعادة تجميعها. ورغم أن هذه البيانات لم يتم التأكد منها رسميا، إلا أن مجرد تداولها في هذا الوقت يحمل أهمية سياسية تتجاوز بعدها العسكري. إن وجود ميليشيا جامحة بطائرات عسكرية، إذا ثبت ذلك، يعني فتح باب واسع لتدويل الحرب بطريقة أكثر خطورة. والطيران بطبيعته أداة لا يمكن استخدامها إلا ضمن أنظمة الدولة والعمل الاستخباراتي المعقد: الصيانة وقطع الغيار والتدريب ومعلومات الاستطلاع وطرق الإمداد عبر الحدود. أي أن من يزود الميليشيا بهذه القدرة لا يراهن على انتصارها العسكري بقدر ما يراهن على تحويل السودان إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، يعاد فيها تعريف الأمن والاستقرار وفق منطق الفوضى وتدمير مقدرات البلاد وتهجير شعبها. وتزداد هذه الصورة قتامة إذا تم وضعها في مقابل المشهد الآخر الذي يهيمن على منصات الأخبار هذه الأيام، حيث تظهر جهود حثيثة من الرياض وواشنطن والقاهرة وأنقرة لاحتواء الصراع وفق المبادرة السعودية وخريطة الطريق للسلام في السودان التي قدمها رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس والتي ظهرت مؤخرا أمام مجلس الأمن. وإذا كانت هذه العواصم تمتلك بالفعل مفاتيح النفوذ القادرة على كبح جماح الحرب، كما توحي تحركاتها، فإن أي استمرار لتدفق الأسلحة إلى الميليشيات لا يمكن تفسيره إلا على أنه إما فشل خطير في السيطرة أو لعبة مزدوجة ضد السودان تحت ستار الوساطة والإطالة. فالسلام المعروض في القاعات الدبلوماسية لا معنى له إذا أعيد سماء الحرب سراً، لأن ذلك ليس إلا تنويماً مغناطيسياً سياسياً يهدف إلى كسب الوقت لإعادة تدوير الميليشيا كورقة ابتزاز جديدة. ومن ثم فإن السودان لا يملك ترف الانتظار أو حسن النية. وعليها أن تتعامل مع الموضوع كتهديد وجودي، وهذا ما يفرض عليها الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الردع الهندسي، من خلال تثبيت تفوقها الجوي والاستخباراتي، وتوسيع شبكات المراقبة والتشويش، وتجفيف ممرات تهريب السلاح، لأن السيادة ليست محمية على الأرض فقط، بل في مساحة السيطرة والإمداد. وفي الوقت نفسه، يجب تحويل هذا التهديد إلى ملف سياسي دولي، باعتباره تهديداً لأمن المنطقة برمتها من البحر الأحمر إلى ليبيا والقرن الأفريقي، حيث تصبح كل طائرة تهرب إلى إحدى الميليشيات شهادة إدانة للنظام الدولي لمكافحة الأسلحة والإرهاب، ولمن يدعون حماية المدنيين بينما يقومون بتسليح من يهددهم. علاوة على ذلك، يتعين على السودان أن يعيد هندسة تحالفاته الإقليمية والدولية على أساس المصالح الراسخة، وليس المجاملات الدبلوماسية. ولم يعد الاستقرار في الخرطوم شأنا محليا، بل أصبح توازنا معقدا في المنطقة بأكملها، من أمن البحر الأحمر إلى مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية. وهي أوراق جيوسياسية حقيقية، إذا أحسنت استخدامها، تجعل من أي محاولة لإعادة تدوير الميليشيا عبئاً ثقيلاً على مناصريها بدلاً من أن تكون ورقة ضغط على الدولة. وهنا لا بد من تحديد خيارات السودان بوضوح. الخيار الأول هو تثبيت معادلة الردع من خلال تعميق تفوق الجيش الجوي والاستخباراتي، وتوسيع شبكات المراقبة والتشويش، وتجفيف أي ممرات محتملة لنقل الأسلحة، باعتباره عملاً سيادياً يعيد رسم حدود الدولة في الفضاء الإقليمي. أما الخيار الثاني فهو سياسي دبلوماسي، يقوم على نقل هذا التهديد إلى طاولة المجتمع الدولي باعتباره تهديدا لأمن المنطقة برمتها، من البحر الأحمر إلى ليبيا والقرن الأفريقي. إن كل طائرة يتم تهريبها إلى إحدى الميليشيات هي بمثابة إعلان فشل المنظومة الدولية للحد من الأسلحة، وفضيحة أخلاقية وقانونية للمجتمع الدولي. الخيار الثالث، وهو الأعمق، هو إعادة هندسة تحالفات السودان الإقليمية والدولية على أساس جديد: ليس فقط من يقف معنا في التصريحات والعمل الدبلوماسي، بل أيضاً من يلتزم عملياً بحماية وحدة الدولة ومنع تفكيكها عبر دول إقليمية تقدم السلاح دون رادع. فالدول التي تخشى انتشار الفوضى عبر الحدود ستجد في استقرار السودان مصلحة مباشرة، وليس ميزة سياسية. وبحسب #وجه_الحقيقة فإن السودان اليوم يقف أمام لحظة مفصلية. وإذا سمح للميليشيا بالتمدد في السماء بعد انحسارها على الأرض، فإن الرسالة التي سترسل إلى المنطقة والعالم ستكون قاسية: أن الدولة يمكن ابتزازها حتى وهي تقاتل وتنتصر. ولذلك فإن المعركة لم تعد ضد المليشيا فقط، بل ضد من يحاول جعل السودان إحدى أوراق الابتزاز الإقليمي. فإما أن تنتزع هذه الورقة وتحرق، وإما أن يبقى الوطن برمته رهينة في أيدي من يراها مجرد رقعة على طاولة المصالح والتوازنات البائسة. دمتم بخير وعافية. الأحد 25 يناير 2026م Shglawi55@gmail.com




