اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-23 12:48:00
ربما لا نطلب الغناء لإنقاذ وطن؛ فيكفينا أن نحفظ معنى الوطن فينا. عندما تغني الذاكرة الوطن لا يموت بل ينتظر د. أحمد التيجاني سيد أحمد 22 فبراير 2026 روما، إيطاليا في زمن أصبحت فيه الحرب لا معنى لها، حرب جاءت ردا على فتوى فظة من إخوان كيزانابا: يا نحكمك… يا نقتلك. ولا يبدو برنامج «أغاني وأغاني» كنوع من الترفيه الرمضاني، بل كعمل من أعمال البقاء الثقافي، ومحاولة واعية لإنقاذ ما تبقى من الذاكرة السودانية من تحت الركام. يخرب. ولم يعد البرنامج مجرد احتفال بالأغنية، بل أصبح نافذة مفتوحة على جرح جماعي، وسماع صادق أمام الذات، في بلد تتفتت أيامه كما يتفتت الخبز في أيدي الجائعين. وفي هذا السياق يأتي حضور الصديق الفذ المثقف الرحيم مصعب الصاوي. وهو لا يقدم نفسه كمؤرخ أو مقدم برامج يبحث عن النور، بل كوسيط هادئ بين الغناء والمغنين، وبين الغناء نفسه. يمشي بحذر من يعرف أن الصوت العالي لا يعالج الألم، وأن الغناء الحقيقي لا يحتاج إلى عرض. الأغاني في «أغاني وأغاني» اليوم ليست كما كانت. كلها جروح. كلها قروح مفتوحة. لكن المفارقة – المدهشة – هي أنهم سريعون في الشفاء. ليس لأنهم ينكرون الألم، بل لأنهم يعترفون به ويقدمونه أمامنا بلا رتوش. ونحن المستمعين لا نترك الحلقات ونحن نشعر بالنشوة، بل بالتذكر. نذهب لنسأل، ونجلس وكأننا أمام نوافذ الاعتراف الجماعي. ونحن المستمعين لا نغفل عن القتل والإبادة التي حلت بشباب وشابات السودان، ولا عن المأساة المفتوحة التي تركتها الحرب في ذاكرتنا وضميرنا. ومن خلال الأغنية نتذكر ما كان منثورا مثل طحين الحلاج. وليس ببعيد عن هذا المعنى قول الشاعر أبو العلاء المعري: “مثل نصيبي كالدقيق على شوك نثروه… ثم قالوا للحفاة في يوم عاصف: اجمعوه”. صورة قديمة لاستحالة التجمع بعد التشتت، يتم ترميمها اليوم ليس بيتا من الشعر، بل كوصف دقيق لما فعلته الحرب بالناس والذاكرة. ذاكرة الغناء لا تتوقف عند مكان واحد، بل إن إيقاعاتها متنوعة مثل الجغرافيا: إيقاعات الحصاد حول التمر في مروي، وألحان السهول في طوكر عندما يجتمع العمل مع الغناء، ونغمات الوازة في النيل الأزرق عندما يتحول نفخ الأبواق إلى نداء جماعي للحياة. إيقاعات نسميها بأسمائها، لا لتصنيف الناس، بل للاعتراف لغنى المكان ووحدة الضمير. أين أنت يا طرب؟ السؤال حاضر، لكن الجواب يأتي بهدوء: الطرب هنا… ليس الضحك ولا الضجيج، بل قدرة الغناء على البقاء حياً وهو واقف فوق الجرح، لا هارباً منه. ومن بين هذا الظلام الثقيل، يتسلل أمل خجول، يأتي على استحياء. إنه لا يعد بانتصار وشيك، لكنه يذكرنا فقط أن هناك أياما قادمة. أيام يحتضن فيها العندليب المردوم، وتنتشر سهول كردفان ليرقص القطران وطائر البوقير النوبي على رماله، ويركض في ساحاتها فرسان دارفور ومصارعو جبال النوبة. ربما لا نطلب الغناء لإنقاذ وطن؛ فيكفينا أن نحفظ معنى الوطن في داخلنا. عندما تتغنى الذاكرة، لا يموت الوطن، بل ينتظر. د أحمد التيجاني سيد أحمد روما – إيطاليا 22 فبراير 2026 ahmedsidahmed.contacts@gmail.com




