تونس – الشرق الأوسط وحرب الخليج: غريزة التدمير

اخبار تونس4 مارس 2026آخر تحديث :
تونس – الشرق الأوسط وحرب الخليج: غريزة التدمير

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-04 10:36:00

ولم تتعامل الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط والخليج كمنطقة شعوب وحضارات، بل باعتبارها «خزاناً استراتيجياً للطاقة» و«رقعة شطرنج» تدار عليها المنافسة الكبرى ضد الاتحاد السوفييتي بالأمس، وضد الصين وروسيا اليوم. ويستمر هذا حتى يومنا هذا مع الحرب الإسرائيلية الأمريكية الحالية ضد إيران. (الصورة: هل ستجلب القصف الإسرائيلي الأمريكي للمدن الإيرانية السلام إلى الشرق الأوسط؟) العقيد محسن بن عيسى في عام 1932، تبادل اثنان من العقول العظيمة رسالتين لا يزال يتردد صداهما في جدران التاريخ: ألبرت أينشتاين ببساطة سأل سيغموند فرويد: لماذا الحرب؟ فأجابه بما لم يرد أحد أن يسمعه: الحرب ليست شذوذاً في التاريخ، بل هي المنطق الداخلي للإنسان عندما يهرب من قيوده. ولم يكن ذلك الحوار نبوءة الماضي، بل مرآة للحاضر. إن ما يشهده الشرق الأوسط والخليج اليوم ليس استثناءً في سجلات الإنسانية، بل هو تجسيد حي لتلك النبوءة المظلمة: الحرب مستمرة طالما وجدت غريزة العدوان مبرراً أخلاقياً، أو ظلماً تاريخياً، أو إيديولوجية دينية تمنحها قدسية زائفة. والسؤال الذي يفرضه الواقع اليوم لم يعد متى تتوقف الحرائق؟ بل أصبح الأمر أكثر إيلاماً: كيف يمكننا أن نبني إنساناً لا يرى فناء الآخر شرطاً لبقائه؟ عندما يصبح القانون شاهدا وليس قاعدة، هناك مفارقة مؤلمة يكشفها المشهد الحالي في الشرق الأوسط والخليج: أن المؤسسات الدولية التي أنشئت لتحويل السلطة إلى قانون أصبحت هي نفسها أداة لشرعنة السلطة وتحصينها. عندما يعجز القانون عن حماية الضعيف من القوي، لا يختفي العنف، بل يعود إلى مصادره الغريزية الأولى، إلى ذلك «العنف البدائي» الذي تحدث عنه فرويد عندما حذر من أن الإنسان لا يتخلى عن غرائزه، بل يجملها. إن الحروب التي تعصف بالمنطقة العربية والإسلامية لم تأت من العدم، ولم تكن مجرد موجة عابرة. إنه تقاطع محكم بين الجذور النفسية العميقة التي أشار إليها فرويد، والمصالح الجيوسياسية الباردة التي حذر منها أينشتاين. ولكي نفهمها حقاً، علينا أن ننظر في الوقت نفسه إلى «المحرك الداخلي» الذي يجعل المنطقة أرضاً قابلة للاشتعال، و«اليد الخارجية» التي تشعل النار وتسكب عليها الزيت. يحمل الداخل العربي جراحاً لم تندمل: إرث اتفاقية سايكس بيكو التي رسمت الحدود بالحاكم وليس بمنطق التاريخ أو الجغرافيا البشرية، وأزمة الشرعية السياسية التي حولت الحاكم والمحكوم إلى طرفين في حالة حرب باردة دائمة، إضافة إلى الصراعات الإيديولوجية التي جعلت المشاريع القومية والإسلامية والطائفية تتنافس بدلاً من بناء الأوطان. واشنطن: حارس النفط أم صانع الفوضى؟ ولم تتعامل الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط والخليج كمنطقة شعوب وحضارات، بل باعتبارها «خزاناً استراتيجياً للطاقة» و«رقعة شطرنج» تدار عليها المنافسة الكبرى ضد الاتحاد السوفييتي بالأمس، وضد الصين وروسيا اليوم. منذ أيزنهاور ومبدأ “ملء الفراغ” لم تتغير المعادلة السياسية: أي حكم ذاتي إقليمي حقيقي يشكل تهديداً لا بد من احتوائه. ويظل المثال الأفظع هو العراق عام 2003: البلد الذي تحول بقرار خارجي من جسم عربي إلى خراب منهجي. لم يكن الهدف المعلن هو ما حدث، ولكن النتيجة كانت واضحة لكل العيون التي يمكن أن تراها. دولة متفككة، وميليشيات تملأ الفراغ، وحرب أهلية تمتد إلى الحي. في هذا الفضاء من الفوضى المُدارة، تسعى واشنطن أحيانًا إلى ما يمكن تسميته “التوازن القلق”: دعم الأطراف المتعارضة لضمان عدم ظهور أي قوة إقليمية واحدة يمكنها الهيمنة على النفط والغاز أو تهديد مصالحها الاستراتيجية. ولا يخفى على أحد أن استمرار التوتر هو في جوهره مصلحة اقتصادية راسخة للمجمع الصناعي العسكري الأمريكي. تتصدر الدول العربية والإسلامية قائمة أكبر مستوردي الأسلحة الأمريكية، وهذا ليس صدفة. بل هي جزء من البنية الأساسية للسياسة الخارجية. إسرائيل هي مركز الاهتمام. لا يمكن قراءة مشهد الشرق الأوسط والخليج دون التوقف طويلا عند إسرائيل، هذا الكيان الذي يراه الضمير العربي جسدا مزروعا في قلب المنطقة، وبات محور صراعاتها المعقدة. ولا يزال «مبدأ بيغن» الفقرة الأولى من الدستور الأمني ​​الإسرائيلي: منع أي دولة مجاورة من امتلاك قوة عسكرية أو نووية تهدد تفوق إسرائيل النوعي، حتى لو تطلب ذلك ضربات عسكرية استباقية، من الممثل العراقي إلى السودان إلى لبنان وصولاً إلى طهران. وهناك استراتيجية أخرى لم يعلن عنها ولكن تمت قراءتها تاريخيا. وقد نسبت إلى بعض الأوساط الإسرائيلية – ولعل أبرز تجلياتها وثيقة ينون عام 1982 – التي تنص على تحويل الدول العربية الكبرى إلى دويلات. -التنافس الطائفي والعرقي. ومن يتأمل خريطة التشرذم الحالية في ليبيا واليمن والعراق وسوريا لا يسعه إلا أن يتأمل إلى أي مدى تحققت هذه الرؤية، سواء بالتخطيط أو بالظروف التي سمحت لها بالنمو. الشراكة العضوية: واشنطن – تل أبيب لم يكن التقاطع بين واشنطن وتل أبيب مجرد تحالف براغماتي تحكمه المصالح المشتركة، بل كان شراكة عضوية أسست لمنطق مزدوج شل الإرادة الدولية: «الفيتو السياسي» الذي يحمي إسرائيل في كل موقف. منتديات وتمنع محاسبتها، وفي أعماق الضمير العربي والإسلامي الشعور المتراكم بالظلم الذي يحوله فرويد إلى وقود للتطرف عندما تغيب العدالة وتغلق منافذ ومشروعات الشرق الأوسط الجديد” التي روجت لها الإدارات الأميركية المتعاقبة، والتي كانت تسعى بالأساس إلى دمج إسرائيل في المنطقة وتطبيع وجودها بما يغير قواعد اللعبة. إلا أنها، من ناحية أخرى، أنتجت استقطابا حادا بين ما يسمى بدول “الاعتدال” والدولة العربية. دول «المقاومة»، وتحولت المنطقة إلى ساحة تتصادم فيها مشاريع الهيمنة، لا مشاريع التنمية. وإذا كان أينشتاين رأى أن الحرب نتيجة غياب «سلطة قانونية عادلة فوق كل شيء»، فإن واشنطن نصبت نفسها قانوناً بلا رقابة، وجعلت من إسرائيل استثناءً لا سابق له. وإذا كان فرويد رأى في الحرب غريزة التدمير التي تبحث عن مخرج، فإن هاتين السياستين نجحتا في توجيه هذه الغريزة نحو الداخل العربي نفسه، حتى أصبحت الحروب بالوكالة أرخص أدوات الهيمنة وأكثرها فعالية. مشهد ودروس من الحرب الحالية تبدأ حرب الشرق الأوسط والخليج من حيث انتهى حوار أينشتاين وفرويد: لم يكن ذلك فشلاً دبلوماسياً عرضياً، بل انفجاراً لغريزة التدمير التي غذت لعقود من الزمن الحصار والإذلال والإقصاء. إن ما يحدث في المنطقة يشكل صراعاً بين الإرادات الدولية، التي راهنت جميعها على أن العنف هو اللغة الوحيدة التي يفهم بها الآخر، وفي هذا خيبة أمل عصبة الأمم في خليفتها الأمم المتحدة، التي أصبحت منبراً فالأزمة المتصاعدة بين إيران ودول الخليج ليست مجرد مناوشة داخل حدود التوتر الإقليمي المألوف، بل هي تحول جذري في البنية الأمنية الإقليمية برمتها. وكانت دول الخليج، وخاصة في أعقاب اتفاق بكين 2023، تسلك طريقا واعدا نحو “الحياد الإيجابي” والتعامل مع البيئة على أساس المصالح المشتركة، وليس حسابات العداء الدائم. لكن الحرب المستمرة أثبتت أن هذا المسار يتداعى تحت الضربات دول الخليج تعيش معضلة حقيقية: كيف تحمي نفسها في ساحة لم تختر دخولها؟ فهي ليست طرفاً في قرار الحرب، لكنها أصبحت هدفاً في مجالها. والأخطر من ذلك أن انهيار إيران لن ينتج بالضرورة جاراً أكثر أماناً، بل قد ينتج «دولة فاشلة» وميليشيات خارجة عن السيطرة، وهو كابوس أشد من عدو منظم ومنضبط حسابات إلى «الانتقام الوجودي»، وتتحول المنطقة برمتها رهينة لسباق تصعيد لا يعرف إلى أين سينتهي. أطلقت أميركا وإسرائيل عمليتهما العسكرية بهدف «تغيير قواعد اللعبة» في الملف النووي، لكنهما لم تأخذا في عين الاعتبار بشكل كاف الفراغ الأمني الهائل الذي ستخلفه إزالة نظام ما، مهما كان. هذه الحرب تكشف دروساً يعرفها التاريخ جيداً ولكن ينساها السياسيون دائماً: الأمن لا يُشترى بالاتفاقات وحدها، بل يُبنى على قوة ردع حقيقية تجعل العدوان ثمنه. ومأساة الجوار الجغرافي التي تجبر الدول على الاصطفاف ليست حباً للحرب، بل دفاعاً عن وجودها في مواجهة هاوية لا تسأل رأيها. والدرس الثالث الذي يكتبه التاريخ بدماء كثيرة: الحروب في هذه المنطقة لا تنتهي بانتصار عسكري حاسم، بل بإرهاق جماعي يجعل الجميع يعيدون حساباتهم. هذه الحرب لم تجب على السؤال الذي طرحه أينشتاين، لكنها أضافت إليه سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل نحن مستعدون لذلك؟ دفع ثمن السلام الحقيقي، وهو الثمن الذي يشمل العدالة للمظلومين، ومحاسبة الأقوياء، وبناء الإنسان الجديد الذي يختار العيش المشترك بالبناء وليس التدمير؟