سوريا – الرقة بين تحرير العشائر وذاكرة الخوف.. لا تحرير خارج مؤسسات الدولة

اخبار سوريا5 مارس 2026آخر تحديث :
سوريا – الرقة بين تحرير العشائر وذاكرة الخوف.. لا تحرير خارج مؤسسات الدولة

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-05 22:38:00

في الرقة، لا يكفي أن يرفع المرء صوته لخلق الحقيقة. ولا يكفي أن تتعدد الروايات حتى تتغير الحقائق. المدن لا تتحرر بالتصريحات، ولا تدار بالشعارات. بل تستقر عندما تعود إليها مؤسسات الدولة كاملة، بجيشها وقضائها وإدارتها. اليوم يُطرح السؤال بصوت عالٍ: “من حرر الرقة؟” ويقال أن أبنائها فعلوا ذلك بمفردهم، وأن الجيش دخلها بعد أن تحررت. لكن السؤال الأصح الذي ينتظره الناس هو: إذا كانت القوة الذاتية موجودة طوال السنوات الماضية، فلماذا لم تمارس منذ عام؟ لماذا استمرت الأحداث الميدانية كما كانت؟ أين كانت هذه القوة عندما كانت الأنفاق مثبتة، والمتاريس ثابتة، والسلطة المفروضة هي التي تدير تفاصيل الحياة اليومية؟ فالانسحاب المفاجئ لأي قوة مسلحة قبل وصول الجيش النظامي لا يُقرأ على أنه تحرر ذاتي، بل على أنه إعادة تموضع أو خوف من المواجهة المباشرة. القوى التي تؤمن بقدرتها لا تترك تحصيناتها طواعية. التجربة السورية على مدى السنوات الماضية واضحة: لم تستعيد أي مدينة استقرارها الكامل خارج إطار الدولة، ولم تثبت أي منطقة أمنها إلا بعودة المؤسستين العسكرية والإدارية. هذه ليست وجهة نظر، بل هي خاتمة لمسار طويل في جميع أنحاء سوريا. في الرقة، التاريخ لا يُسترجع من باب الحنين، بل من باب القلق. كلما ارتفع صوت يتحدث عن «الإدارة الذاتية العشائرية» أو عن حق هذا المكون أو ذاك في حكم منطقة معينة، تعود إلى الذاكرة قصص قديمة تتناقلها الأجيال عن ليال مضطربة، عندما كانت الدولة ضعيفة وغايب القانون، فأصبح البيت معرضاً لميزان القوى وليس لسلطة القضاء. قد يختلف الناس في دقة التفاصيل، وقد تختلف الروايات، لكن المؤكد أن الخوف من غياب الدولة رافق الرقة في المراحل الأولى من تاريخها، عندما كانت بلدة صغيرة على أطراف الصحراء، أثرت أكثر مما تأثرت، وخاضعة لموازين القوى الاجتماعية أكثر مما كانت تقوم على مؤسسات راسخة. منذ ما يقرب من قرن من الزمان، خرجت المنطقة من الحكم العثماني مثقلة بسنوات الحرب العالمية الأولى، ودخلت مرحلة انتقالية مضطربة انتهت بوضعها تحت الانتداب الفرنسي عام 1920 ضمن ما أصبح فيما بعد سوريا. ولم تكن الرقة في تلك السنوات مدينة كبيرة ذات هيئات إدارية متكاملة، بل كانت مركزاً سكانياً محدوداً تحيط به صحراء واسعة، ذات طابع قبلي يغلب عليه. واعتمدت الإدارة في سنواتها الأولى أسلوب الوساطة مع شيوخ العشائر أكثر من اعتمادها على بناء مؤسسات تفصيلية في الأطراف، مما جعل حضور الدولة ضعيفاً ومتقطعاً في بعض الفترات. في بيئة كهذه، يتقدم ميزان القوى الاجتماعي عندما يتراجع المركز، وأي صدمة أمنية من شأنها أن تفتح الباب أمام اضطرابات محدودة تتحول مع مرور الوقت إلى ذاكرة جماعية أوسع من حجمها الفعلي. القصص التي تتحدث عن دخول مجموعات إلى المنازل داخل المدينة قديماً، وأخذ أغطية أو مؤن في غياب رادع، قد تعود إلى تلك المرحلة الرمادية بين انهيار سلطة قديمة وتشكيل سلطة جديدة. لا توجد وثائق مفصلة تثبت حادثة معينة، لكن التاريخ العام للمنطقة يؤكد أن الفترة ما بين 1916 وثلاثينيات القرن الماضي كانت فترة هشاشة فعلية في أطراف البلاد، حيث لم تكن الدولة الحديثة قد أتقنت أدواتها بعد. ومع الاستقلال عام 1946، بدأ المشهد يتغير تدريجياً. وتوسع حضور الدولة، وأنشئت مراكز الشرطة والمحاكم، وتم تنظيم السجلات العقارية، وتم إنشاء مرجعية قانونية واحدة، مما أدى إلى تراجع فكرة الرقابة الاجتماعية المسلحة داخل المدن، وظهور مفهوم المواطنة المتساوية أمام القضاء. اليوم، أصبحت الرقة مدينة أكبر وأكثر تنوعًا مما كانت عليه قبل مائة عام، ويختلف تكوينها الاجتماعي بشكل أساسي عن ذلك الوقت. وتشمل عائلات قبلية، وعائلات حضرية قديمة، وطبقات مهنية، ومقيمين من خلفيات متعددة. وفي مدينة بهذا التعقيد، لا يمكن لأي صيغة إدارية مبنية على الانتماء الجزئي أو الحماية الخاصة أن تضمن العدالة الشاملة. العشيرة، كإطار اجتماعي، تبقى أحد مكونات المجتمع، بحضورها واحترامها ودورها المدني، لكن تحويل هذا الدور إلى سلطة حكم إقليمية مغلقة يعني العودة إلى منطق التوازنات، وليس إلى منطق الدولة. التاريخ لا يُدان ولا يُمجد، بل يُفهم. وما يُفهم منه هو أن الفراغ لا يبقى فارغاً، وأن غياب الدولة يفتح المجال أمام الأقوى اجتماعياً لملء الفراغ. إلا أن الرقة اليوم ليست مدينة على أطراف الصحراء، بل هي مدينة داخل دولة، ومصلحتها ليست في تعدد المراجع، بل في إنشاء مرجعية واحدة تحمي الجميع دون استثناء. فالدولة وحدها تضمن عدم ترك أي فرد دون دعم، وعدم تحول النزاعات الاجتماعية إلى صراعات مفتوحة، وعدم إعادة إنتاج الخوف القديم بأشكال جديدة. الحديث عن حماية المدينة أو الاعتزاز بدور اجتماعي في الحفاظ عليها أمر مفهوم ومشروع، لكن الشرعية في المدن الحديثة لا تستمد من القوة، بل من القانون. الرقة، التي شهدت فترات انتقالية صعبة في تاريخها، دفعت ثمن غياب الاستقرار لفترة طويلة. وهي اليوم لا تحتمل العودة إلى صيغ تفتح باب التأويل أو الانقسام. والمعادلة واضحة: مدينة بحجم الرقة وتنوعها لا يمكن دعمها إلا من خلال دولة واحدة، وقانون واحد، وقضاء واحد، وجيش واحد. وأي نقاش خارج هذا الإطار، مهما حسنت نواياه، يعرض المدينة لأسئلة عفا عليها الزمن، ولا يليق أن تعود إليها من جديد.

سوريا عاجل

الرقة بين تحرير العشائر وذاكرة الخوف.. لا تحرير خارج مؤسسات الدولة

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#الرقة #بين #تحرير #العشائر #وذاكرة #الخوف. #لا #تحرير #خارج #مؤسسات #الدولة

المصدر – زمان الوصل