اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-10 15:30:00
وفي فلسطين، وفي ذكرى يوم المرأة العالمي، تأسست أول جمهورية فلسطينية مستقلة برئاسة امرأة اسمها مليكة أبو عكر أم نضال. قامت دولة في مخيم الدهيشة للاجئين المطل على القدس، وتزحف على رصيف البحر وحيفا والجليل والنقب، وإلى أبعد قطرة دم في الذاكرة. لأول مرة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، تقوم دولة بين الموت والحياة، وبنيت روايتها على حافة الانتظار. في المخيم، السيادة لا تقاس بالحدود، بل بالاستقرار، والقدرة على البقاء على قيد الحياة. الدستور الممتد إلى أقصى حدود المكان، لا يُكتب بالحبر، بل بالصبر والأمل والإرادة والأغنية والحب. مليكة أبو عكر، أم نضال، ابنة قرية رأس أبو عمار المهجرة، حملت قريتها في قلبها كما تحمل الأم طفلها الأول: خوفاً عليه، وإصراراً على أن يكبر رغم الدمار والجريمة والإبادة الجماعية المستمرة. لقد رحلت في عام النكبة ليس فقط لتترك المكان، بل لتخوض اختبار الزمن، ومنذ تلك اللحظة لم تكن لاجئة بالمعنى الذي كتب به. البطاقة التموينية أصبحت ذكرى تمشي على قدمين وتشهد على اقتلاع لم يقتلع جذورها. وسيسجل التاريخ أن الشعب الفلسطيني أسس دولته الحرة في قلب امرأة، ومن ضلع المرأة. كانت الأم والأرض والوعي والهوية، عابرة كل الحدود منذ النكبة حتى آخر حجر رماه طفل في وجه دبابة. ولم يحدث قط أن تحول مخيم إلى دولة بحجم الكرة الأرضية، من الخيمة ومضخة الكيروسين إلى الانتفاضات وأحياء الفقراء. المنكوبون هم: حي الزكراوة، حي الراسية، حي الجعافرة، حي الجراشية، حي العتابنة، حي الولجية، من البقجة إلى الكوفية، من المسجد إلى الكنيسة، من الحجر إلى البندقية إلى مساحة للثورة والعودة والحرية. جمهورية مخيم الدهيشة أكبر من جغرافية المعازل والكانتونات الضيقة، وأعظم من لغة التنازل عن المكان والزمان، جمهورية رئيستها امرأة ترى ما وراء المستوطنات والحواجز العسكرية. التهويد والعبرنة وأساطير التوراة، هذا ما قاله ضباط المخابرات الصهيونية عندما اقتحموا منزل مليكة أبو عكر وقرؤوا مواقع فلسطين على ثوبها الفلاحي ومساحة الخريطة. وفي مخيم الدهيشة، لم يكن منزلها مبنياً من جدران إسمنتية، بل من قصص متراكمة. وكان بيتها خيمة تحولت إلى سور، وسوراً تحول إلى حصن من الصمود. داهمها الجنود مئات المرات، لكن المداهمة اصطدمت بشيء غير مرئي: امرأة تعرف أن الكرامة لا تُصادر. لقد وقفت بثبات أمام المدافع، أمًا عرفت أن الخوف، بمجرد كسره، لن يكون سيدًا بعد الآن. وفي نظرها سؤال أخلاقي يحير المحتل: من يملك الأرض؟ من يعيش فيها بالقوة أم من يعيش فيها بالحق؟ امرأة ترش البطولة على لحم الأسفلت، وترش الأسفلت على لحم القصيدة كل مساء. أم شهيد وأم أسرى وجرحى، لكنها كانت أم فكرة أعظم: أن الحرية تعليم وثقافة ومواقف قبل أن تكون شعارا. لم تحسب أبناءها بالأرقام، بل بالقيم والشجاعة والإقدام. كانت تنعي الشهيد كما تنعي الحياة، وتستقبل الأسير كما يستقبل العائد من امتحان الصمود والكرامة. كان بيتها مدرسة وطنية، والمخيم في ظلها أصبح جمهورية أخلاقية، دستورها الصبر، وتعليمها للشهداء، ونشيدها أسماء الغائبين والحاضرين. كل من طاردهم الاحتلال لم يجدوا ملاذا آمنا إلا في جمهورية مليكة أبو عكر البعثيين. يساريون وإسلاميون وقوميون وباحثون وقادة وسياسيون وناشطون وصحفيون وشعراء وفنانون ومن أراد التعرف على الشعب الفلسطيني وتحرره ونضاله الوطني جاءوا إلى جمهورية مخيم الدهيشة، والتقوا برئيسته مليكة أبو عكر، وهناك كتبوا وشاهدوا. أكلوا خبز الطابون وغمسوا دمائهم في الزيت والدم والحبر، واحترقوا في كل أنحاء الكون. في يوم المرأة نزور أم نضال وفي بيتها طبقات من القيم. المفاهيم والإيمان هي التي تنجيك من الدنيا والآخرة. يعلمك كيف تفتح نافذة في زنزانة، ويعلمك كيف ينفجر نبع من جسد مليء بالشظايا. ومن دخل بيتها دخل إلى بيت الذاكرة، بيت الوحدة الوطنية. رموز وأحلام وآلاف الورود الحمراء على قبور الشهداء والأحباء، رموز الميلاد والموت، التاريخ والحكاية، السماء والأرض، أسماء الأماكن والنساء، الحضور والغياب، والعديد من النبوءات. وهو جيش جمهورية مليكة أبو عكر المستقلة في معسكر الدهيشة. في هذا البلد الواسع، إذا غاب الرجال في السجون أو المقابر، تسمع مليكة تقول: نحن هنا، ما زلنا نولد الحياة في وجه الموت، وإذا كان الاستعمار يقوم على محو الإنسان، فإننا نعيد خلقه كل يوم، في البيت والمدرسة، في المظاهرة والعرس والجنازة. هي الأم التي تلد الحياة في زمن خلق فيه الموت. وحين ترفع الرئيسة مليكة صوتها، لا تتحدث امرأة واحدة، بل تتحدث أجيال من الأمهات اللاتي حملن في صدورهن قصة الوطن، إنها وطن في امرأة عنيدة، ترفض التنازل أو النسيان. «رئيس جمهورية معسكر الدهيشة المستقلة» لم يكن استعارة بل معنى. لم تنتخبها صناديق الاقتراع، بل ضمير الشعب، الفقراء والجياع، الشهداء، الأسيرات والأسرى، كانت تمثل المرأة الفلسطينية في نقائها وقوتها وصلابتها. المرأة التي تجمع بين الحنان والمواجهة، بين الدموع والكبرياء. في شخصها تشكلت حكومة المخيم رمزياً: هي الرئاسة عندما يضيق الأفق، هي البرلمان عندما تقول الحق، هي القضاء عندما يتكلم العدل باسم المظلومين. مجزرة تحولت إلى مجزرة إلى مقاتلة، وهكذا تحولت سيرتها إلى بيان سياسي صامت، والشوارع إلى اشتباكات يومية. قد يكون للاحتلال قوة، لكنه لا يملك الشرعية، والمرأة الفلسطينية ليست ظلا للرجل، بل شريكة في صياغة التاريخ. منذ عام النكسة لم يتمكن المحتل من احتلال جمهورية مخيم الدهيشة، هنا أم نضال، هنا التعددية الفكرية والسياسية، هنا ديمقراطية المقاومة والتضحية، هنا من أسقط السياج والشعارات الكاذبة، هنا من تحدى الجرافات والاتفاقات البائسة، هنا الحياة شهوة بين الرصاص وقنابل الغاز، هنا صرخة المعذبين الذين رفضوا الخضوع والاستعباد. وجسد الرئيس حقيقة أن الإنسان قد يكون محاصرا في الجغرافيا، لكنه يظل حرا في المعنى، وأن اللجوء ليس فقدان مكان، بل هو اختبار للهوية. عرفت أن المخيم ليس انتظاراً طويلاً، بل ممارسة يومية للاستقلال الداخلي، فعاشت كل مناسبة وطنية كأنها إعلان سيادة، وكل مواجهة كأنها استفتاء على حق العودة. من يعرف ام نضال؟ الذكريات تخرج منه على عجل. أحدهما، وكأن هذه المرأة الرابضة على جبل في المخيم تحيي فيك عصوراً ضائعة، وحين تناديها “أمي” وتعانقها تشعر أنك تقطع المسافة بين الانتظار والانفجار، بين الشمس والعاصفة، وأن في روحها معجزة. مليكة أبو عكر، أم نضال، رئيسة جمهورية مخيم الدهيشة المستقلة، لو رميت حجراً لتحرك البحر الأبيض المتوسط وخرج اللاجئون من القيعان وفاضوا وهم يصرخون، ولو أخبرتك كيف ينمو الطفل على حليب الأونروا وعلبها. سردين، لم أكن لأدرك كيف يصبح الدم الفلسطيني فلسطينياً في عروق الفدائيين الذين بقوا على حد السكين. من هذه المرأة التي تتسلل أثناء الحظر وتحرس المقاومين؟ حمل الخبز والمنشورات والتعليمات والإشارات أثناء الاقتحامات. من هذه المرأة التي تحمي أبناء ناجي العلي وغسان كنفاني ومروان البرغوثي وأحمد سعدات وخالد الصيفي، وبنات وأخوات فاطمة الجعفري وعائشة عبيد وليلى خالد ودلال المغربي ويسرى البربري وكريمة عبود وزكية شموط وربيحة ذياب في الساحة؟ تقول امرأة تزور أولادها في السجن: اليوم الذي بين الأيام الماضية في السجن، وبين الأيام الباقية، هو يوم الحرية. إذا دخلت مخيم الدهيشة، انتبه إلى الشهيد محمد العجيب، ابنها الذي مزق الرصاص جسده. كان يعلم أنه لن يموت لأنه أراد أن يموت. والآن تراه في رفح وجنين وطولكرم ونابلس والخليل. انتبهوا إلى كيفية إلتحام الجسد بالنشيد، وانتبهوا إلى أن مليكة أبو عكر رقصت في الجنازة حتى الفجر. وهو مشروع حرية في كتاب يقول: لا خيار، لا نصر ولا قبر. وحين رحلت لم تترك فراغا، بل تركت فراغا. معيار. لقد تركت إرثا يقاس به معنى المرأة الفلسطينية: قوة لا تصرخ إلا لقول الحق، وصبر لا ينحني إلا لله، وصوت شعب يريد الحرية وكسر القيود مهما طال الطريق. رحلت الرئيسة مليكة في زمن الإبادة والوحشية، وبقيت عيناها على غزة حتى النظرة الأخيرة، وفي صوتها خطى الأجيال القادمة. وسيبقى اسمها في سجل المخيم غير المكتوب: رئيسة جمهورية الدهيشة المستقلة، جمهورية المريض، حيث الحكومة هي الضمير، والدبلوماسية هي الضمير. الموقف: الحرية وعد لا يموت.




