السودان – دراسة الأداء المسرحي عند الفاضل سعيد

أخبار السودان15 مارس 2026آخر تحديث :
السودان – دراسة الأداء المسرحي عند الفاضل سعيد

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-15 13:11:00

دراسة الأداء المسرحي للفاضل سعيد. رؤية نقدية لتجربة رائد الكوميديا ​​السودانية. بقلم: الدكتور الوليد محمد الحسن إدريس. مقدمة: من هو الفاضل سعيد؟ وإذا كان للمسرح السوداني أب روحي استطاع أن يؤسس حركة مسرحية متميزة استمرت خمسين عاما، وغرس فيه روح الكوميديا ​​النقدية، وربط المسرح بالشارع، والضحك بالبكاء، والنقد بالمرح، فإن هذا الأب بلا شك هو الفاضل سعيد ضرار سيلانتوت (1935-2005). وهو الفنان الذي قال عن نفسه: “أي مكان فيه ناس هو مسرح مفتوح. أمل الناس ومجدهم هو المسرح.. أنا أعيش على المسرح وأموت على خشبته”. وكان له ما قاله، حيث وافته المنية في مدينة بورتسودان عام 2005 أثناء تقديم آخر عرض مسرحي له، ليموت كما عاش، على خشبة المسرح، بين جمهوره الذي أحبه وأخلص له لمدة نصف قرن. تسعى هذه الدراسة إلى قراءة نقدية لتجربة الفاضل سعيد، مع التركيز على خصوصية أدائه المسرحي، والكشف عن آليات عمله الفني، ودراسة جماليات التأليف، ومناقشة دلالات هذه التجربة في سياق المسرح السوداني والعربي. أولاً: التكوين والتنشئة – جذور العبقرية. البيئة الغنية. ولد الفاضل سعيد في منطقة غدار بالقرب من دنقلا بالولاية الشمالية، ونشأ في بيئة لغوية وثقافية فريدة من نوعها: فوالده لم يكن يعرف اللغة العربية ويتحدث بالنوبية، وكانت والدته تجيد اللغة العربية لكنها لا تعرف اللغة النوبية. وقد منحه هذا التباين اللغوي والثقافي ثراءً عقلياً مبكراً، جعله قادراً على التقاط التناقضات والتفاصيل الدقيقة في الشخصيات والمجتمع. ثم انتقل إلى أم درمان، حيث نشأ في حضن جدته بحي بيت المال، ذلك الحي العريق الذي شكل حاوية للثقافة الشعبية والروايات التاريخية. ومن هذه الجدة، تلقى الفاضل دروسه الأولى في الحكايات الشعبية والتلاوة والإيماءات، لتتشكل مهاراته الأولى قبل أن يلتقط كتاباً أو يصعد على خشبة المسرح. التأثيرات المبكرة: التقى في مدرسته الابتدائية بمعلم الرياضيات الفنان الكبير خالد أبو الروس، أحد قادة فرقة التمثيل والموسيقى السودانية. تأثر به الفاضل وبدأ يقلده، لكن أبو الروس كانت له رؤية تربوية عميقة عندما قال له: “يا ولدي لا أريدك أن تمثل الآن.. إذا تصرفت الآن فلن تتعلم، ونحن بحاجة إلى ممثل مثقف”. وكانت هذه النصيحة بمثابة خريطة طريق: التعليم أولاً، ثم الفن. وفي المرحلة الثانوية، وتحديداً في مدرسة الفاروق (مدارس الإرسالية المصرية)، تعمق حسه المسرحي من خلال ما كان ينقله معلموه المصريون من مسرحيات نجيب الريحاني. وهنا التقى فيما بعد بنجمي الكوميديا ​​المصريين: أمين الهنيدي (مدرس التربية البدنية) ومحمد أحمد المصري المعروف بـ «أبو لمحة» (مدرس الرسم). اللقاء معهم كان تواصلاً مباشراً مع نموذج المسرح الكوميدي المصري، لكن الفاضل سيكون له طريق آخر، أكثر خصوصية وسودانياً. ثانياً : نشأة الفرقة – تأسيس الحركة المسرحية . في عام 1955، اتخذ الفاضل سعيد أهم خطواته: تأسيس “فرقة التمثيل الكوميدي الشبابي”. وضمت الفرقة أسماء أصبحت فيما بعد أيقونات في المسرح السوداني: محمود سراج “أبو قبوره”، وعثمان أحمد حمد “أبو دليبة”، وعثمان إسكندراني، بالإضافة إلى مجموعة من الفتيات. تم تسجيل الفرقة في المجلس البلدي لأم درمان، وكان مقرها نادي العمال. هذا الاختيار لمقر الفرقة ليس عرضيا: فنادي العمال يعني حشد العمال، الحشد البسيط، حشد الشارع. وكان الفاضل يعلم منذ البداية أن مسرحه سيكون مسرحاً شعبياً بامتياز، يخاطب الناس بلغتهم، ويروي همومهم، ويجعلهم يضحكون على أنفسهم حتى يصححوا أخطائهم. ثالثاً: رحلة الأقاليم – مسرح لكل السودان. ومن أبرز سمات تجربة الفاضل سعيد أنه لم يقتصر على العاصمة. ورأى أن «جمهور العاصمة هو جمهور المناطق»، وأن المسرح الحقيقي هو الذي يذهب إلى الناس أينما كانوا. ولذلك قاد فرقته الصغيرة في جولات شملت كل مدن وقرى السودان: من الشمال: حلفا، دنقلا، كرمة، عطبرة، شندي. ومن الغرب: الجنينة، نيالا، الفاشر، الأبيض. وشرقاً: القضارف، كسلا، سواكن، بورتسودان. إلى المركز: كافة قرى ومدن الجزيرة والنيل الأبيض. ولم تكن هذه الجولات مجرد عروض عابرة، بل كانت بناء لجمهور واعي ومحب للمسرح. قدم الفاضل عروضه في كل مكان: في النوادي، في الساحات العامة، في المدارس، حتى وصل إلى جمهور لم يشاهد المسرح في حياته. رابعاً: خصوصية العرض المسرحي عند الفاضل سعيد. البناء الدرامي: بين الارتجال والتأليف. بدايات الفاضل سعيد الأولى كانت في الكشافة، حيث كان يحول قانون الكشافة إلى دراما من خلال الارتجال. وبقيت هذه المهارة الارتجالية حاضرة في عروضه، لكنه لم يكن ارتجالاً فوضويًا، بل ارتجالًا متمرّسًا، يعتمد على معرفة عميقة بالشخصية والموقف والجمهور. ومع الوقت اتجه إلى التأليف المسرحي المكتوب، لكنه احتفظ بروح الارتجال في الأداء. وتمثل مسرحياته، مثل «أكل عيش» (1967)، مرحلة النضج، إذ انتقل إلى مسرحيات ذات فصول متكاملة. وكانت هذه المسرحية أول مسرحية عربية غير مصرية يتم تصويرها وبثها على شاشة التليفزيون المصري، وهو ما يؤكد جودة المستوى الفني الذي وصلت إليه تجربته. الشخصيات الكاريكاتورية: نماذج إنسانية نقدية أبدع الفاضل سعيد في تقديم شخصيات كاريكاتورية راقصة على المسرح، حاملاً معها انتقادات اجتماعية لاذعة. أشهر هذه الشخصيات: الشخصية وخصائصها ودلالاتها: الشخصية كبيرة القلب، حادة اللسان، وهي ناقدة ذكية للمظاهر الاجتماعية الفاسدة. العجب شخصية تمثل نموذجاً إنسانياً ساخراً. الحاج كرتوب شخصية تعبر عن نمط اجتماعي معين. ولم تكن تلك الشخصيات مجرد أقنعة كوميدية، بل كانت مرايا تعكس المجتمع السوداني بكل تناقضاته. وأصبحت “البيت القديم” على وجه الخصوص أيقونة ثقافية، ترمز إلى المرأة السودانية الحكيمة والحكيمة والمحبة والناقدة في نفس الوقت. اللغة المسرحية: بين العامية والفصحى. استخدم الفاضل سعيد العامية السودانية ببراعة، لكنها لم تكن لغة عامية فظة أو مبتذلة، بل كانت لغة عامية أدبية راقية، قادرة على التعبير عن أعمق الأفكار بأبسط الكلمات. وكانت لغته قريبة من قلب الجمهور، لأنها كانت لغة الجمهور نفسه. وفي الوقت نفسه، كان قارئًا نهمًا، وله مكتبة ضخمة تضم كتبًا مهمة: من تاريخ البشرية لنهرو، إلى طبقات ضيف الله، إلى مجموعات المتنبي وأبي نواس. وهذا التكوين الثقافي الواسع انعكس في نصوصه، فجمع بين البساطة والعمق، والضحك والفكر. الموسيقى والغناء: تكامل فني تعاون الفاضل سعيد مع كبار المطربين السودانيين، أبرزهم محمد أحمد عوض، في أغنيات خالدة مثل “أبوي لماذا لا تقول لا” و”البوسطجي” و”لماذا ضربت الهاتف؟” قصة أغنية “لماذا لا تقول لا لأبوي” مثيرة للاهتمام: كان الفاضل يعاني من أزمة عاطفية بعد أن رفضته عائلة خطيبته لأنه “ممثل”، فغنى القصيدة في رحلة فنية، وقد أعجبت بها محمد أحمد عوض وغناها لاحقا. لم تكن الموسيقى في مسرح الفاضل مجرد فاصلة أو زخرفة، بل كانت جزءا عضويا من البناء الدرامي، تعميق المشاعر وإبراز المواقف. خامساً: آليات النقد الاجتماعي في عروضه. الضحك الناقد. الكوميديا ​​عند الفاضل سعيد لم تكن للضحك فقط. وكانت ضحكة ناقدة، تفضح التناقضات الاجتماعية، وتكشف زيف المظاهر، وتسخر من العادات البالية. ومن خلال شخصية “البت القديم” على سبيل المثال، انتقد سلوك المجتمع دون الإساءة، لأن النقد يأتي من داخل الشخصية، من الداخل، بالحب والحكمة. معالجة قضايا الناس. تناولت مسرحياته قضايا الناس اليومية: الرزق (أكل العيش)، العلاقات الاجتماعية (كيف الناس)، العادات والتقاليد (إحنا كده)، المشاكل الزوجية (جار السوء). ولم يكن هناك فصل بين المسرح والواقع. بل كان المسرح مرآة للواقع، وأحياناً مشرطاً لكشف عيوبه. انتقاد السلطة بلطف في زمن لم يكن فيه النقد السياسي المباشر ممكنا. واستطاع الفاضل سعيد من خلال شخصياته الكوميدية أن يوجه سهام نقده لبعض الممارسات الحكومية والاجتماعية. وكانت انتقاداته ذكية وغير مباشرة، فواصل العمل في ظل الأنظمة المتعاقبة، محافظا على جمهوره وحريته. سادساً: الإرث والتأثير: كثرة العروض. ويقال أن الفاضل سعيد قدم أكثر من سبعة آلاف عرض مسرحي! ويعكس هذا الرقم شبه الأسطوري مدى عطائه وتواصله مع الجمهور. كان يقدم عروضاً متواصلة، في كل مكان، لجميع الناس. التكريم والتقدير: حصل السيد سعيد على العديد من الأوسمة خلال حياته، أبرزها جائزة أفضل ممثل من الرئيس جعفر النميري في المهرجان المسرحي الأول بالمسرح القومي بأم درمان عن مسرحية “نحن هكذا”. كما حصل على الدكتوراه الفخرية قبل وقت قصير من وفاته. تأثيره في الأجيال اللاحقة: أثّر الفاضل سعيد في أجيال من المسرحيين السودانيين ومن بينهم الفنان الكبير هاشم صديق. أصبحت طريقة بناء الشخصيات وإخراج العروض ومخاطبة الجمهور مدرسة يدرسها المهتمون بالمسرح السوداني. سابعا: القراءة النقدية المعاصرة. إيجابيات. · الجماهيرية الحقة: استطاع أن يصل إلى الجمهور البسيط دون الوقوع في الابتذال. · التجديد المستمر: ظلت خبرته متطورة على مدى خمسين عاماً، مواكباً التحولات الاجتماعية والسياسية. · الهوية السودانية الأصيلة: قدم مسرحاً سودانياً خالصاً، دون تقليد أعمى للنماذج العربية أو الغربية. ملاحظات نقدية · التوثيق المفقود: العديد من أعماله لم يتم تسجيلها أو توثيقها بالشكل الكافي، مما يجعل دراستها صعبة على الأجيال الجديدة. · التركيز على الكوميديا: ولعله لو تحول إلى التراجيديا في بعض أعماله ليكشف عن أبعاد أخرى لموهبته. · المركزية الذكورية: شخصياته النسائية، رغم أهميتها (مثل بيت قديم)، تبقى محدودة مقارنة بالشخصيات الذكورية. دروس للمسرح المعاصر: المسرح الناجح هو الذي يخاطب الناس بلغتهم وهمومهم. الكوميديا ​​أعمق من التراجيديا في قدرتها على النقد والتغيير. البساطة في الشكل لا تعني سطحية في المضمون. الخلاصة: الفاضل سعيد.. أيقونة المسرح السوداني لم يكن الفاضل سعيد مجرد ممثل كوميدي، بل كان مؤسس حركة مسرحية، ومعلم الأجيال، والضمير الفني للمجتمع السوداني. واستطاع أن يحول المسرح إلى منصة للنقد الاجتماعي، والضحك إلى أداة للتغيير. ورحل الفاضل سعيد في 10 يونيو 2005 بمدينة بورتسودان، أثناء أدائه عرضه المسرحي، مصدقاً قوله: “أعيش على المسرح وسأموت على المسرح”. لكنه لم يرحل حقاً، لأنه ترك خلفه كنزاً من العروض والشخصيات والأفكار التي ستبقى حاضرة في وجدان السودانيين، وستظل مادة خصبة للدراسة والبحث للأجيال القادمة. “الفاضل سعيد اسم لا يمكن لأي شخص مطلع على تاريخ المسرح السوداني أن يتجاهله، فهو حقا من استطاع أن يتحمله”. المراجع ويكيبيديا: “الفاضل سعيد” موقع البيان: “ملك الكوميديا السودانية الفاضل سعيد” صحيفة السودان: “الفاضل سعيد” صفحة الفاضل سعيد على الفيسبوك موقع الحوار المعتمد: “تساؤلات الحداثة في المسرح السوداني” (للاعتماد على منهج التحليل) أعد هذه الدراسة د.الوليد محمد الحسن إدريس، وهي محاولة للمساهمة في توثيق وترسيخ التجربة المسرحية السودانية، وفتح حوار نقدي حول تراث الفاضل سعيد وإسهاماته. waleed.drama1@gmail.com

اخبار السودان الان

دراسة الأداء المسرحي عند الفاضل سعيد

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#دراسة #الأداء #المسرحي #عند #الفاضل #سعيد

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل