اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-17 19:16:00
هل تغيير الاسم ينقذ الإسلاميين من حكم الشعب والعقوبات والتاريخ؟ البروفيسور مكي مدني الشبلي المدير التنفيذي لمركز الدرعية للدراسات الإستراتيجية في كل مرة يواجه المشروع الإسلامي في السودان أزمة سياسية عميقة، يظهر اقتراح يبدو للوهلة الأولى بسيطا: تغيير الاسم. واليوم، مع تصاعد الحديث عن العقوبات الأميركية وتصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً، عاد بعض الإسلاميين إلى طرح الفكرة الساذجة نفسها: حل الحركة الإسلامية رسمياً، والظهور من جديد تحت اسم جديد. لكن هذا الطرح لا يعكس فقط محاولة للالتفاف على العقوبات، بل يكشف أيضا عن سوء فهم لطبيعة الأزمة التي يواجهها المشروع الإسلامي في السودان. المشكلة التي يواجهها الإسلاميون اليوم ليست باسم التنظيم، بل في تجربة سياسية كاملة حكمت السودان ثلاثين عاما وتركت وراءها إرثا ثقيلا من الاستبداد والحروب وتآكل مؤسسات الدولة. ولذلك فإن تغيير الاسم لن يغير شيئا في حكم الشعب السوداني وتاريخ تلك التجربة التي أضاعت خمسة أجيال سودانية على مدى مائة وخمسين عاما. تاريخ طويل من تغيير الأسماء واستقرار المشروع. ومن المفارقات أن فكرة تغيير الاسم ليست جديدة في تاريخ الحركة الإسلامية السودانية. منذ نشأتها في منتصف القرن العشرين، تنقلت المنظمة بين عدة أسماء مختلفة، في حين ظل المشروع السياسي نفسه ثابتا إلى حد كبير. بدأت الحركة تحت اسم جبهة الميثاق الإسلامي في الستينيات، متأثرة بفكر جماعة الإخوان المسلمين العالمية. وتطورت فيما بعد إلى الجبهة الإسلامية الوطنية، التي قادت انقلاب يونيو 1989 واستولت على السلطة في السودان. وبعد الانقلاب تم حل المنظمة رسميا وتأسيس جبهتها السياسية الجديدة باسم المؤتمر الوطني، وهو الحزب الذي حكم السودان طوال فترة نظام الإنقاذ. وعندما حدث الانقسام الشهير داخل الحركة عام 1999 بين حسن الترابي وعمر البشير، انقسم التنظيم إلى جناحين: المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي. لكن رغم كل هذه التغييرات في الأسماء، بقي المشروع السياسي على حاله: السيطرة على الدولة من خلال تنظيم وإعادة تشكيل مؤسساتها وفق مشروع التمكين الأيديولوجي. لقد تغيرت العلامات، لكن النهج بقي على حاله. التمكين والإرهاب: جوهر المشروع المشكلة الحقيقية لم تكن أبداً في الاسم، بل في النهج السياسي الذي تبنته الحركة الإسلامية بعد وصولها إلى السلطة. منذ الأيام الأولى لانقلاب 1989، بدأت عملية إعادة تشكيل الدولة من خلال سياسة عرفت باسم التمكين. وارتكزت هذه السياسة على استبدال معايير الكفاءة المهنية بمعايير الولاء التنظيمي، واستبعاد آلاف المؤهلين من مؤسسات الدولة والجامعات والخدمة المدنية. ولم يكن الهدف مجرد السيطرة على السلطة، بل إعادة بناء الدولة نفسها لتصبح أداة في يد التنظيم. ومع مرور الوقت، أدت هذه السياسة إلى تراجع المهنية في مؤسسات الدولة، واتساع شبكات الفساد السياسي والاقتصادي، وهجرة أعداد كبيرة من المواهب السودانية إلى الخارج. وبالتالي، لم يتآكل الدولة فحسب، بل تآكل أيضاً رأس المال البشري الذي قامت عليه. حكم الشعب قبل حكم العقوبات. عندما خرج السودانيون بالملايين في ثورة ديسمبر 2018، لم ينتظروا قرارًا من واشنطن أو عقوبات دولية. لقد أصدر الشعب السوداني نفسه حكمه على تجربة الحكم الإسلامي. وكانت تلك الثورة حكماً شعبياً واضحاً لنظام قائم على الإقصاء واحتكار السلطة وادعاء تمثيل المجتمع باسم الدين. ولذلك فإن محاولة تصوير الأزمة الحالية على أنها نتيجة للعقوبات الدولية وحدها تتجاهل الحقيقة الأساسية وهي أن المشروع الإسلامي فقد شرعيته داخل السودان قبل أن يواجه الضغوط الدولية. وهم تغيير الاسم. ومن هنا تبدو فكرة حل الحركة الإسلامية رسميا وإعادة تأسيسها تحت اسم جديد، محاولة سياسية سطحية وساذجة. فالعقوبات الدولية لا تفرض على الأسماء، بل على السلوك السياسي والشبكات التنظيمية التي تقف وراءها. المجتمع السوداني نفسه أصبح أكثر وعياً بتجربة العقود الماضية، ولن ينخدع بلعبة تغيير العلامات، فتغيير الاسم لا يغير طبيعة المشروع. لذا فإن هذا الاقتراح لا يكشف عن سوء تقدير سياسي فحسب، بل يكشف أيضاً عن سوء فهم لطبيعة الأزمة ذاتها. الدرس الذي ينبغي استخلاصه ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي للحركة الإسلامية أن تستخلصه من تجربتها في الحكم هو أن السيطرة على الدولة ليست الطريق إلى إصلاح المجتمع. حاول الإسلاميون إعادة تشكيل السودان من خلال السلطة، لكن النتيجة كانت إضعاف الدولة نفسها، وتآكل مؤسساتها، وتدمير جزء كبير من رأسمالها البشري، ممثلاً بخمسة أجيال على مدى مائة وخمسين عاماً. السودان اليوم يحتاج إلى مشروع وطني جديد يقوم على بناء الإنسان والمؤسسات، وليس على إعادة إنتاج الصراعات الأيديولوجية تحت مسميات بديلة. عند فرض العقوبات، تنظر الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى الكيانات الفعلية التي تمارس السلطة أو تؤثر عليها، وإلى طبيعة علاقتها بالمنظمات المدرجة، وليس إلى الاسم الذي تحمله تلك المنظمات في لحظة معينة. ولذلك فإن الادعاء بأن حل الحركة الإسلامية رسميًا سيقنع المجتمع الدولي بأن حكومة بورتسودان منفصلة عنها هو في الواقع تبسيط ساذج لطبيعة آليات العقوبات الدولية. أما الإسلاميون أنفسهم فإن الطريق الأكثر واقعية أمامهم ليس تغيير اسم الحركة، بل مراجعة حقيقية لتجربتهم السياسية والاعتراف بأن المشكلة لم تكن في الراية التي حملها التنظيم، بل في المشروع الذي مثلته تلك الراية. التاريخ لا يخدع بالأسماء. وما لم يتغير النهج، فإن تغيير الاسم لن يكون إلا محاولة أخرى للهروب من الحقيقة. إن حل الحركة الإسلامية على الورق وتغيير اسمها لن يخدع أحدا. حكم الشعب السوداني والعقوبات الدولية لا تفرض على لافتات، بل على النهج والسلوك والشبكات التي تسير خلفها السلطة. وقد جرب السودانيون هذا الأسلوب من قبل، حيث تغيرت الأسماء من جبهة الميثاق إلى الجبهة الوطنية ثم المؤتمر الوطني، في حين بقي مشروع الإرهاب والتمكين على حاله. ولذلك فإن محاولة إقناع الشعب السوداني والعالم بأن المشكلة انتهت بمجرد تغيير الاسم ما هي إلا إعادة إنتاج ساذجة لنفس الخداع السياسي. المجتمع الدولي، ومن قبله الشعب السوداني، لا يحاسب الأسماء، بل يحاسب التجارب. التجربة التي دمرت الدولة وأهدرت خمسة أجيال على مدى مائة وخمسين عاما لا يمكن محوها براية جديدة أو بقرار تنظيمي سطحي.melshible@hotmail.com التدوينة هل تغيير الاسم ينقذ الإسلاميين من حكم الشعب والعقوبات والتاريخ؟ ظهرت للمرة الأولى على سودانايل.




