اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-17 19:14:00
منذ 18 ساعة جمال محمد إبراهيم 210 يزور جمال محمد إبراهيم (1) ولعل أغرب المشاهد على الساحة الإيرانية، والتي لم يتوقف عندها الرئيس الأمريكي، هو تراجع وتيرة التظاهرات في شوارع المدن الإيرانية، مباشرة بعد تصريحات ذلك الرئيس، التي دعا فيها الشعب الإيراني، إلى أن الفرصة قد جاءت لهم للانتفاض على حكم الملالي، حيث أصبح النظام في حالة ضعف ولم تعد لديه القدرة على التماسك. ولم يتوقف الرئيس الأميركي عن توجيه تهديداته لقادة النظام في إيران، ولم يتوقف عن تحريض الشعب على الانتفاضة وإسقاط النظام. وبعد أن كانت أجندته هي معاقبة إيران على إصرارها على التخصيب النووي، بدأ يكشف عن اتفاقه مع أقرب حلفائه الإسرائيليين، على ضرورة تغيير النظام برمته، ثم تراوحت تصريحاته المرتبكة بين الخيارين. وبينما أعلن الرئيس الأمريكي القضاء نهائيا على المشروع النووي الإيراني في حرب الاثني عشر حياة ليوم واحد، وأنه لن يكون له وجود بعد ذلك، عاد ليعلن علنا أن الجانب الإيراني أبدى تعنتا في مفاوضات الملف النووي التي جرت في جنيف بين ممثلي البلدين. ثم يعود الرئيس الأميركي من جديد، معلناً أنه غيّر أجندته واستبدلها بالأجندة الإسرائيلية الداعية إلى تغيير النظام في إيران. وبحسب الرئيس الشعبوي، الذي لا علاقة له بالمواثيق والمبادئ الدولية، فإن قطع رأس النظام الإيراني هو نهاية الأمر. وكما لاحق رئيس فنزويلا وأدخله السجون الأمريكية، وصمت الشعب الفنزويلي، فقد أسعده أن يبتلاع إيران بنفس الطريقة. (2) ما لم يكن في حساباته، هو طبيعة الشعب الإيراني، وتلك العاطفة الدينية المتأصلة في نفوس أجيال في بلاد فارس، التي عاشت في ظل نظام قائم على مبادئ المذهب الشيعي، وتجدد صرخاتها كل عام في يوم عاشوراء، على استشهاد الحسين حفيد النبي (صلى الله عليه وسلم). في كربلاء منذ سنة 680م. وها نحن نشهد أجيالا تركت وراءها المظاهرات الاحتجاجية في شوارع طهران والمدن الأخرى وخرجت لتعزي الزعيم الديني الذي اغتاله ترامب بالتآمر مع نتنياهو. إن التعامل مع دولة مثل إيران يتطلب النظر بعمق إلى الجذور التاريخية لبلاد فارس، التي أسست إمبراطورية راسخة قبل خمسمائة عام من ميلاد المسيح، وأن الشاه رضا بهلوي اعتبر نفسه من أحفاد أولئك المؤسسين القدماء، رغم انهيار تلك الإمبراطورية في عهد الدولة “الساسانية” وتحولها بعد الفتح الإسلامي إلى دولة إسلامية كبرى. مقتل الإمام علي بن أبي طالب عام 661م، إيذاناً بتأسيس الدولة الأموية الإسلامية، حيث قُتل الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء. وأهل فارس الذين عجزوا عن نصرته جعلوا الندم طقساً حداداً عليه في كل عام يمر بذكرى كربلاء. فهل يا ترى هل يدرك نتنياهو، أو حتى ترامب، تداعيات صرخة السيد نعيم قاسم الرئيس الحالي لحزب الله عندما أعلن تسليم سلاح حزبه قائلا إن أمامه معركة كربلاء؟ مثل هذه التفاصيل لم تخطر على بال أحد من مستشاري الرئيس الشعبوي حامي الكيان الصهيوني دونالد ترامب ابن ربيب الجزيرة الملعونة المعروفة. (٣) هناك حكاية شخصية ذكرها في هذا السياق. . أثناء عملي كدبلوماسي في السفارة السودانية بطهران، التقيت بمواطن سوداني اسمه “معاوية”، جاء في مهمة خاصة إلى طهران، وأقام في أحد فنادق العاصمة الإيرانية. زارنا في السفارة واشتكى بمرارة من سوء خدمة الفندق الذي استقبله وهو فندق أربع نجوم. فسألته سؤالاً بريئاً عن التاريخ، هل يعرف من قتل سيدنا الحسين حفيد النبي، فأجابني أن القائد هو يزيد بن معاوية. قلت له: اسمك معاوية، وهذا اسم يثير غضباً دينياً -إن جاز لي أن أصفه- لدى أي إيراني تجاه كل من يحمل اسم معاوية…! إن المشاعر الدينية لهؤلاء الناس لها جذور تاريخية عميقة في نفوسهم، ويعود اعتزاز الفرس بتاريخهم إلى قرون مضت قبل ميلاد المسيح. أخبرت ذلك الصديق عن طبيعة المذهب الشيعي الاثني عشري، وأخبرته أيضًا عن الثورة التي أطاحت بنظام الشاه رضا بهلوي، وأن زعيم تلك الثورة بقي في المنفى خارج إيران سنوات طويلة، واستقر في فرنسا، في إحدى الضواحي الباريسية تسمى “نوفيل لو شاتو”. وأعلن الشيخ السبعيني -آنذاك- آية الله الخميني دعوته لشعبه عبر رسائل مسجلة على «الكاسيت» للثورة على الدكتاتورية والطغيان. وألهبت تسجيلات خطاباته النارية مشاعر الإيرانيين، فهاجموا في أواخر السبعينيات نظام الشاه. ويروي أحد مستشاريه قصة عندما ارتفعت الحشود وتدافعت في شوارع طهران، التي لم يبق فيها ركن إلا وينادي بسقوط الشاه، أن زوجة الشاه “شهبانو فرح ديبا” وقفت من شرفة قصر الشاه محمد رضا بهلوي “نياوران” متسائلة: “من بحق السماء هذا الخميني..؟” (4) أن ثورة أشعلها شيخ غائب في المنفى. لقد كانت نهاية نظام استبدادي، وبداية نظام خلط بين العقيدة الدينية وسياسة إدارة «جمهورية إيران الإسلامية». ووضع الخميني لها شعارا رئيسيا ضد كل من دعم نظام الشاه، وهو الشعار الذي تبناه الإيرانيون داخليا وخارجيا، لدحر الاستبداد والهيمنة. وكان ذلك الشعار: “مارك بار أمريكا” بالفارسية، ويعني “الموت لأمريكا”. وبعد نحو خمسين عاماً، جاء رئيس شعبوي اسمه “دونالد ترامب” ليغير ذلك الشعار بصيغة جديدة اعتمدها لتغيير النظام في إيران، قائلاً: “الموت للملالي..!” لكنه كان يسمع شهبانو فرح ديبا، وهي في الثمانينات من عمرها، تخاطبه هذه المرة بعد مقتل خامنئي: «لا يا سيدي الرئيس.. دع الإيرانيين يختاروا النظام الذي يريدون.. لكنك تسمع ترامب ينتقد رؤساء الحزب الديمقراطي السابقين، مثل كارتر وكلينتون وأوباما، الذين احتلوا البيت الأبيض». لكنهم لم يتمكنوا من مواجهة الغطرسة الإيرانية بحزم، وهي تدعي أنها ستنتقم، على طريقتها الأميركية، على الإهانة التي تلقاها هؤلاء الأميركيون الذين احتجزهم الملالي كرهائن لمدة أربعمائة وأربعة وأربعين يوماً، بين عامي 1979 و1980. ولا يتوقف الرئيس الشعبوي عن محاربة الإيرانيين بشأن الملف النووي وحده، بل يتعهد لرئيس إسرائيل بتغيير النظام الإيراني من خلال اغتيال المرشد الأعلى، رئيس الجمهورية الإيرانية. النظام. لقد غيّر آية الله الخميني نظام الشاه قبل نحو خمسين عاماً، برسائل «الكاسيت»، فجاء «راعي البقر الأميركي»، وفي العقد الثاني من الألفية الثالثة، ليغير النظام في إيران بحرب الطائرات بدون طيار والصواريخ التي… تخترق الأرض، وهو يشاهدها منتشياً على الشاشات. (5) الغطرسة الأمريكية لا تتردد في ترتيب خياراتها بما يتجنب التداعيات والعواقب غير المحسوبة. ومن الغريب أن الثورة التي بدأها الملالي عام 1979، والتي أشعل الخميني نيرانها بخطابات «الكاسيت» النارية، لم تستوعبها السفارة الأميركية في طهران آنذاك، وإلا لما كانت تنتظر موظفي السفارة الأميركية للانقضاض عليهم واحتجازهم كرهائن طوال تلك المدة. تفاجأت أقلام أحد الأكاديميين الأميركيين بأن الكثير من موظفي السفارة الأميركية لم يكونوا على دراية كاملة باللغة الفارسية، لذلك لم يفهموا حقائق ما يدور حولهم بالحصافة المطلوبة. ما نراه الآن هو أن الحرب التي أشعل فتيلها كل من «ترامب» و«نتنياهو» رافقتها تصريحات متناقضة. يخبرنا أحدهما عن التعنت الذي أبداه الجانب الإيراني في مفاوضات الملف النووي، بينما يعلن الآخر الحرب على إيران، والتي ستكون آثارها مدمرة على منطقة الشرق الأوسط برمتها، ولن تتوقف عند أطرافها الثلاثة. فالحرب التي أشعلها الطرفان بدافع غير مدروس ضد إيران، جعلتهما يدركان أن مغامرتهما لا تتعلق بالأسلحة النووية، ولا بتغيير الأنظمة. لقد وقعوا في شر واسع النطاق دون أن يدركوا حجم ما فعلوا. كيان الشرق الأوسط مكتظ بعلل تاريخ خامد وجغرافيا مشوشة، يفرقه غرباء جشعون، في حين أن أصحاب الأرض ليسوا – ولفترات طويلة – على قلب جسد واحد، وتتنوع معتقداتهم… هذه ليست حرب تشتعل نيرانها بين ثلاثة أطراف، بل هي حرب رسم خرائط جديدة في منطقة الشرق الأوسط، لم يتوقعها المبادرون إليها. (6) الحرب المستمرة منذ 28 فبراير 2026، كشفت وقائعها عيب صفقة الحماية التي ظل الرئيس الشعبوي يرددها ودغدغة نفوس مؤيديه الأمريكيين بغطرسة مذمومة. وظل يكرر تصريحاته بكل غطرسة، قائلاً إنه يجمع المليارات من دول الشرق الأوسط ثمناً لحمايته المزعومة لها. ولم يشهد المجتمع الدولي مثل هذه الحماقة الدبلوماسية الصارخة التي تخرج من فم هذا الرئيس الشعبوي المخزي، الذي ادعى أنه سيعيد لبلاده القوة والعزة التي فقدها الآخرون.. هنا الحرب تتصاعد، والمسيرات الإيرانية تهاجم دول الخليج بحجة، وهذا انتهاك صارخ للمواثيق الدولية، وهو مبرر. . وتقوم طهران بذلك دون أدنى مراعاة لسيادة دول الخليج في حقوقها المشروعة، لأنها تبرم اتفاقياتها الخاصة لحماية أراضيها، وفق المبادئ والمواثيق التي تحكم التعاون بين أطراف المجتمع الدولي. ولعل الهجمات التي شهدتها وتتعرض لها بعض دول الخليج تتعارض بشكل واضح مع المبادئ الدولية، وتعكس عمق الحيرة الداخلية لدى بعض القادة الإيرانيين، والتصريحات المتناقضة الصادرة عنها، العسكرية والمدنية، بشأن الموقف من الدول المهاجمة التي تربطها بإيران علاقات جوار وأخوة في العقيدة الإسلامية.(7) أما أخطر التداعيات التي نلاحظها في طبيعة الحروب الدائرة الآن، فهي انكشاف عجز منظمة الأمم المتحدة عن معالجة تبعات تلك الحروب الحروب، التي تجاوزت أجيالًا من حروب المواجهات المباشرة في القتال على الأرض، إلى حروب جيل جديد يعتمد على استخدامات الفضاء السيبراني والخوارزميات والذكاء الاصطناعي. المهمة الأساسية لتلك المنظمة هي الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وأن الأساليب البالية التي اعتدنا عليها، مثل فصل المقاتلين من خلال إنشاء مناطق عازلة كما هو الحال مع “اليونيفيل” بين لبنان وإسرائيل، أو إرسال مهمات عسكرية على الأرض مثل “يوناميد” في حالة أزمة دارفور في السودان، وغيرها من الإجراءات التي عفا عليها الزمن، والتي استمرت تلك المنظمة في اتباعها. وفي الواقع الحالي، فقد فقد فائدته تماما. ولعل الوقت قد حان لأن تودع الأمم المتحدة، في مواجهة ما نشهده من إضعافها المتعمد، ميثاقها الحالي، ثم تتطلع إلى ميثاق جديد يستوعب الواقع الحالي من الخوارزميات والرقمنة والذكاء الاصطناعي، حتى تتمكن من القيام بمهام الحفاظ على السلم والأمن الدوليين على النحو الأمثل والمأمول. القاهرة – 2026/3/13 أنظر أيضاً جمال محمد إبراهيم (1) ربما شهد العقد الثاني من الألفية الثالثة تحولات بوتيرة غير مسبوقة في…




