اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-20 12:42:00
في أعياد الأطفال حول العالم، تعتبر “العيدية” من أجمل الرموز التي تضفي بهجة العيد وتجعل لحظاته مميزة ومليئة بالبهجة والضحك، لكن في قطاع غزة لم يكن الأمر كذلك منذ أكثر من ثلاث سنوات، حيث أصبح الأطفال غير قادرين على الاحتفال بالعيد على طريقتهم. ومع حلول عيد الفطر الأول بعد انتهاء الحرب، تفاقمت أزمة السيولة النقدية في قطاع غزة تحت وطأة القيود الإسرائيلية على دخول الأموال، ما أدى إلى شلل شبه كامل لعمل البنوك، وترك مئات الآلاف من المواطنين دون القدرة الفعلية على استخدام أرصدتهم لتأمين احتياجاتهم اليومية أو ممارسة عادتهم الاجتماعية في توزيع العيدية. ولم ينجح الاعتماد المتزايد على التطبيقات المصرفية والمحافظ الإلكترونية في التغلب على الأزمة النقدية، لا في الأيام العادية ولا في المناسبات، بسبب اعتماد السوق المحلية، خاصة الأكشاك والأسواق الشعبية، على الدفع النقدي بشكل أساسي. عيد بلا عيد. ومع هذا الواقع، لم يعد الأطفال قادرين على شراء الحلويات أو الألعاب التي كانت دائمًا جزءًا من احتفالاتهم، ولم يفهموا بعد معنى قسوة الحصار ومرارة الاحتلال. يجدون العيد يوما يختلط فيه الفرح بالدموع، في ظل غياب طقوسهم الطفولية التي يمارسونها بكل حب في أيام العيد. ويقول محمد حجاج، 12 عاماً، بلغته البسيطة: «عيد بلا عيد ليس عيداً». يحدق في يديه الصغيرتين الفارغتين تماما، ولا يلمس بين أصابعه شيكل واحد مقابل قطعة واحدة من الشوكولاتة. ويضيف: العيد كان يوما مليئا بالبهجة بالنسبة لي، خاصة مع هدايا العيد التي قدمها لي أهلي وأقاربي. لقد منحني هذا العيد حرية اختيار الحلويات والألعاب والمطاعم التي أحبها، وتمحورت طقوس العيد حول الركض مع الأصدقاء في نزهة اتفقنا عليها قبل العيد بأشهر. ويتابع: منذ بداية الحرب لم نعد نحتفل بالعيد بشكله الحقيقي، حتى بعد توقف الحرب. أزمة “النقود” (الأوراق النقدية) حرمتني وجميع أطفال غزة من فرحة العيد الحقيقية، إذ لا نستطيع الخروج للحصول على المال اللازم لشراء ألعاب وحلويات أو الخروج في نزهة العيد كما نشاء. وأكد أن شراء قطعة واحدة من الشوكولاتة بمبلغ بسيط أمر صعب للغاية، وحتى لحظة الضحك مع أصدقائه لم تعد ممكنة في ظل طقوس العيد الصامتة وسط الدمار. ومع تداعيات الإبادة الجماعية الإسرائيلية التي لم تتوقف في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، لم يعد نقص السلع والمجاعة وحدهما يشكلان الخطر الأكبر على الفلسطينيين. بل إن الحصول على المال بحد ذاته أصبح أزمة قائمة في حد ذاته، حيث يتم أخذ نصف مدخراتهم من الأهالي من أجل الوصول إلى السيولة النقدية، في ظاهرة أصبحت تعرف محلياً بـ”التصدي”. وارتفعت نسبة العمولة التي يضطر المودعون إلى دفعها مقابل تسييل أموالهم المحولة إلكترونيا إلى 50% في بعض الحالات، أي أن ما يصل إليهم فعليا لا يتجاوز نصف القيمة، في معادلة غير عادلة تعني ببساطة أن الأموال أصبحت الآن مقسمة بالتساوي بين صاحب الحق فيها والتاجر أو الوسيط الذي يملك السيولة. “منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، ظهر نمط اقتصادي قسري يمكن وصفه بـ”اقتصاد حرب الاستنزاف”، حيث تحول السوق إلى أداة لإعادة توزيع الدخل بالقوة من غالبية المجتمع نحو فئات محدودة احتكرت السلع والسيولة وقنوات الإدخال. وفي محاولة للتخفيف من الأزمة، أطلقت سلطة النقد نظام التحويل الفوري المجاني “إبراق” في مايو 2024، وانتشر استخدام المحافظ الإلكترونية، مما أدى إلى ساهم في خلق دورة مصرفية مغلقة حدت من تسرب الأرصدة النقدية في البنوك، والاستنزاف المستمر، لكن هذا النظام لم يؤد إلى سوق أكثر إنصافاً، بل خلق ظاهرة التسعير المزدوج، حيث كان للسلعة سعران: سعر أعلى عند الدفع إلكترونياً، وسعر أقل عند الدفع نقداً، على الرغم من شح السيولة النقدية، وشكل هذا الفارق إحدى ركائز الاستغلال، وظهرت معها ظاهرة «التخصيص» التي تمثل خصماً قسرياً من القدرة الشرائية قبل عصر الدولة. يصل المواطن إلى السوق، فالمواطن الذي يدفع 100 شيكل عبر تطبيق إلكتروني أو تحويل مصرفي لا يحصل إلا على 50 إلى 80 نقداً، أي أنه يخسر ما بين 20% إلى 50% من قيمة أمواله، وهذه الخسارة لا تحسب كضريبة رسمية، لكنها تمثل استنزافاً حقيقياً للدخل، ولم يتوقف الاستنفاد عند هذا الحد، بل شمل ممارسات مثل بيع النقد بأقل من قيمته، وإزالة فئات النقد بالكامل من. وأدت هذه الممارسات إلى تحييد وتحويل جزء كبير من الكتلة النقدية المتداولة من أداة صرف إلى عبء لا قيمة له، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستويات الاستهلاك، وعمق الفجوة بين الدخل الاسمي والدخل الحقيقي، خاصة بين الفئات الأكثر ضعفا مثل العمال وذوي الدخل المحدود، والذين يتلقون المساعدات بالتوازي مع السيولة وبرز احتكار السلع كركيزة ثانية لاقتصاد الحرب المنهك، وشكل الحصار ومنع دخول البضائع لفترات طويلة أرضا خصبة لتخزين البضائع وإخفائها عمدا، وطرحها فيما بعد بكميات محدودة وبأسعار مرتفعة، ويصف الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر القطاع المصرفي بأنه أحد أهم القطاعات، مضيفا أن القيود على التحويلات المالية لم تبدأ مع الحرب، لكنها اشتدت بشكل كبير، حيث يتم رفض العديد من التحويلات أو تقييد الحسابات المصرفية بسبب مصادر الأموال، ويزيد من تعقيد الوصول إلى الدعم الأسري، بحسب تقديرات أبو قمر، أن خسائر الائتمان والأصول النقدية تجاوزت 325 مليون دولار خلال عامين، وهو ما يعكس حجم الأضرار التي لحقت بالدورة المالية في اقتصاد يعاني أصلا من انكماش حاد ويؤكد منع إدخال سيولة تتعارض مع اتفاق باريس الاقتصادي الذي يقضي بإدخال الكميات النقدية اللازمة إلى الأراضي الفلسطينية، ويحذر من أن الخروج من السوق دون ضخ نقدي رسمي ساهم في تشكيل سوق سوداء تتحكم في الأسعار من السيولة ويرفع تكلفة الحصول عليها، ما يفاقم الأعباء على المستهلكين والتجار على حد سواء، لا سيما مع القيود المفروضة على دخول النقد عبر العائدين، والتي لا تتجاوز ألف دولار، في سياسة يرى أنها تهدف عملياً إلى سحب المعروض النقدي من السوق بدلاً من إنعاشه.



