اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-20 20:27:00
ومنذ سقوط الموصل واجتياح سنجار عام 2014، تشكلت رواية إعلامية واسعة حول الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، وخاصة بحق الإيزيديين، حيث وثقت التقارير الدولية حالات أسر واختطاف. ومع مرور الوقت، توسعت هذه الرواية لتشمل مناطق سورية أخرى، بما فيها الرقة، حتى أصبح الحديث عن “سوق الصبايا” و”جنس الجهاد” جزءاً من الصورة النمطية المتداولة عن المدينة. ولا شك أن فترة سيطرة التنظيم على الرقة كانت من أقسى المراحل التي عاشها أهلها، إذ شهدت المدينة قتلاً علنياً وأشكالاً متعددة من الترهيب والتحرش الاجتماعي. لكن تعميم بعض الممارسات التي ثبت حدوثها في مناطق معينة، وكأنها ظاهرة عامة يومية في الرقة، يتطلب مراجعة دقيقة بناءً على شهادات ميدانية موثقة. ولم يكن الإعلام وحده المسؤول عن هذه المبالغة؛ ولعبت الأعمال الدرامية والأدبية دورا كبيرا في ترسيخ الصور المكثفة. وقدم المسلسل المصري “طلوع الروح” والمسلسل السوري “شوق” روايات عن سوق العبيد والزواج القسري، فيما ركز مسلسل “ليلة السقوط” (2023) على الموصل العراقية والانتهاكات التي ارتكبها تنظيم داعش ضد النساء الإيزيديات، كما صور مسلسل “الغربان السود” (2017) الحياة في المخيمات في سوريا والعراق. كما ساهمت بعض الروايات الأدبية، مثل رواية الروائي الأردني أيمن العتوم، في ترسيخ صورة مبالغ فيها عن المدن السورية وكأنها تعج بالناس. ممارسات لم تحدث على أرض الواقع. كل هذه الأعمال، رغم أن بعضها يستند إلى حقائق أو روايات لأشخاص عاشوا تحت حكم التنظيم، إلا أنها تزيد من حدة الأحداث وتقدم صورة مبالغ فيها عن الحياة اليومية، وخاصة في الرقة، بما يخدم خطاب اضطهاد الأقليات بعيداً عن الواقع الميداني الحقيقي. وبسبب تواجدي في الرقة حتى آذار/مارس 2015 في ذروة سيطرة التنظيم، وملفاتي الإنسانية التالية المتعلقة بالمختفين، لم أشهد وجود سوق مفتوح للرقيق الجنسي ضمن المدينة بالشكل الذي تداولته وسائل الإعلام. وكانت الزيجات التي تمت في تلك الفترة مرتبطة في كثير من الأحيان بالعوامل الاقتصادية والضغوط المعيشية، إذ استغل التنظيم الفقر والعوز، وهو ما يختلف بطبيعته عن صورة السوق العام المنظم التي كانت منتشرة في بعض الروايات. كما أن محدودية الوصول الميداني للعديد من الهيئات الدولية في تلك المرحلة أدى إلى اعتمادها على شهادات غير مباشرة، وهو ما قد يفسر بعض التناقضات في وصف حجم الظاهرة أو طبيعتها. وهذا لا ينفي حدوث انتهاكات، لكنه يدعو إلى التمييز بين الحالات الفردية المثبتة وتعميمها كواقع يومي شامل. ولا يمكن قراءة هذه المبالغة بمعزل عن السياق السياسي للصراع السوري. لقد استفاد نظام الأسد من ترسيخ صورة نمطية تختزل المشهد إلى “سوق العبيد” و”جهاد النكاح”، لتعزيز روايته بأن ما حدث في سوريا لم يكن سوى تمرد قادته جماعات متطرفة، متجاهلة التعقيدات الاجتماعية والسياسية الأوسع. في المقابل، وجدت قوات سوريا الديمقراطية في تلك الروايات مادة لمخاطبة الرأي العام الدولي، من خلال إبراز نفسها على أنها الجهة التي واجهت أقسى ممارسات التنظيم، وهو وصف لا يلغي جرائم داعش، لكنه ساهم في الوقت نفسه في نشر صورة معينة عن مجتمعات بأكملها. كما نشطت المنصات الإعلامية والمواقع الإلكترونية خلال تلك المرحلة، حيث تداولت قصصا غير مؤكدة أو مبالغ فيها، أثار بعضها تساؤلات حول ارتباطاتها أو مصادر تمويلها، ما جعل الخط الفاصل بين التوثيق المهني والدعاية السياسية أكثر ضبابية. إن الإشارة إلى هذا الاستخدام لا تهدف إلى إنكار الانتهاكات التي حدثت، بل الإشارة إلى كيف تصبح بعض الحقائق أدوات في صراع الروايات، حيث تتقاطع الحقيقة والدعاية، ويصبح من الصعب على المتلقي التمييز بين ما يتم توثيقه وما يتم إعادة إنتاجه لخدمة أجندات متضاربة. إن إعادة قراءة تلك المرحلة بهدوء ومسؤولية لا تهدف إلى التخفيف من خطورة ما حدث، بل إلى ضبط السرد ضمن إطاره الواقعي، بعيداً عن المبالغة أو التعميم. وكانت الرقة مدينة خاضعة لسلطة التنظيم المتطرف، لكنها لم تتحول -بحسب شهادات كثيرة من سكانها- إلى الصورة الأسطورية التي رسمت لها في بعض المنابر. ما تحتاجه الذاكرة السورية اليوم هو التوثيق الدقيق المبني على شهادات مباشرة ومصادر مرجعية، وليس مجرد صور مختصرة أو معالجات فنية. إن الحفاظ على التاريخ مسؤولية أخلاقية، تتطلب التمييز بين الحقائق المثبتة والمبالغة التي قد تصاحبها في السياقات الإعلامية أو السياسية. وتبقى الرواية المتوازنة المبنية على الشهادة الميدانية، أصدق وسيلة لفهم ما حدث، بعيداً عن الاستغلال أو المبالغة، وبما يحفظ كرامة الضحايا وحق المجتمعات في تقديم تجاربها كما عاشتها فعلياً.




