اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-22 02:29:00
فهو يتجاوز حدود الترفيه التقليدي ليصبح وثيقة فنية وسياسية في الوقت نفسه. مسلسل «الخروج إلى البئر» تأليف سامر رضوان، وإخراج محمد لطفي، وإنتاج شركة ميتافورا، لم يكن مجرد عمل درامي عُرض في شهر رمضان، بل كان محاولة جريئة لإعادة فتح ملفات مغلقة من تاريخ سوريا الحديث، مع التركيز على سجن صيدنايا سيء السمعة، والانتفاضات التي شهدها بين عامي 2007 و2008، بناءً على شهادات ووثائق حقيقية. تمكنت السلسلة من الكشف عن الطبقات. تشابك السلطة في النظام السابق، من عقلية الأجهزة الأمنية التي تعامل المعتقلين كورقة مساومة، إلى استخدام السجناء أنفسهم كأدوات في لعبة إقليمية معقدة من سوريا إلى العراق، وتحالف النظام مع الأميركيين، حيث يسلط المسلسل الضوء على كيف حاول النظام توظيف المقاتل السابق ضد الاحتلال الأميركي في العراق جمال سليمان (سلطان الغالب) لنسج تحالفات سرية مع الفصائل الجهادية، في صفقة تبدو مستحيلة: الحرية له ولعائلته. مقابل مهمة خطيرة. ولا تقدم هذه الرؤية النظام ككتلة متجانسة، بل كجهاز يعاني من التناقضات الداخلية ويراهن على الابتزاز والتلاعب من أجل البقاء. نجح الكاتب سامر رضوان في بناء حبكة محكمة تجمع بين الواقعية القاسية والتشويق الدرامي. ويتجنب في عمله الخطاب المباشر، ويفضل السرد الإنساني الذي يركز على مصائر الأفراد داخل البئر الرمزي (السجن والمجتمع المكبوت). يعتمد المخرج محمد لطفي، رغم بعض البطء في الحلقات الأولى، على التصوير الداخلي المكثف الذي ينقل الشعور بالاختناق والظلام. مع طريقة التصوير السينمائي، حيث استخدمت الإضاءة الخافتة والألوان الباردة، مما يعزز الشعور بالقمع، مع لقطات مقربة للوجوه تكشف تدريجياً الانهيار النفسي. الموسيقى التصويرية متواضعة وفعالة. لا يطغى على الحوار، بل تزيده قيمة المسلسل في توثيق مرحلة كانت محرمة سابقا، إذ يظهر كيف تحول السجن إلى دولة داخل الدولة لفترة محدودة، وكيف كشف ذلك عن هشاشة النظام في مواجهة الضغوط الداخلية. وفي الوقت نفسه، ينتقد بشكل غير مباشر ازدواجية بعض الحركات الإسلامية داخل السجن، والتي تتراوح بين المتطرفة والبراغماتية. ويقدم العمل قراءة نقدية لما جاء بعد عام 2011 أيضًا، حيث يشير إلى أن بذور الصراعات اللاحقة كانت موجودة في تلك الخلايا. وقدم جمال سليمان أداء استثنائيا في دور السلطان الفاتح “أبو فراس”. لقد جسد الرجل المكسور الذي يحمل الألم المتراكم في عينيه دون مبالغة، معتمداً على هدوء داخلي عميق حقاً، مما يجعله يبدو كرجل يحمل تاريخاً ثقيلاً دون الحاجة إلى شرح زائد. حضرت العديد من أعمال الفنان الكبير جمال سليمان أثناء التحضير لها. تم تصويره داخل الاستوديوهات، وشاهدت نقاشاته الطويلة مع إسماعيل عبد الحافظ وحاتم علي، فأستطيع أن أقول هنا: جمال سليمان قدم أحد أبرز عروضه. لم يلجأ إلى المبالغات الدرامية الصوتية أو الحركية المعتادة في أدوار السجين المكسور، بل يبني الشخصية بشكل رئيسي من خلال العيون، نظرة تحمل تراكم الألم والحذر والحساب الداخلي، دون أن تفقد بريق الإصرار. وهذا الانشغال بالعيون -الذي يعد من سماته المميزة طوال مسيرته- يمنح سلطان الغالب عمقاً حقيقياً. وفي مشاهد التفاوض داخل السجن، يظهر سليمان قدرة استثنائية على الموازنة بين البراغماتية السياسية والانهيار النفسي المكبوت. يتحول صوته إلى همسة محسوبة في لحظات الضغط، ويصبح جسده، الذي يبدو مرهقًا جسديًا بعد سنوات من الاعتقال، أداة صامتة للتعبير: أكتاف محدبة قليلاً، وحركات يد بطيئة، وتنفس يعكس تعبًا طويلًا. كل هذا جعل الانفجارات العاطفية النادرة (مثل مشاهد العودة إلى العائلة أو مواجهة الخيانة) أكثر إثارة للمشاعر، لأنها تأتي بعد تراكم طويل من القمع. نجح سليمان في تجسيد التناقض الداخلي في الشخصية: رجل كان مناضلاً ضد الاحتلال الأمريكي، ثم أصبح أداة في يد نظام آخر، النظام السوري، دون أن يفقد إنسانيته. ويظهر ذلك في تعامله مع السجناء الآخرين -الذي يمزج بين التعاطف والحذر- وفي علاقته باللواء ناصيف (عبد الحكيم قطيفان)، حيث يحافظ على كرامته الداخلية رغم الابتزاز. عبد الحكيم مقارنة بأدواره السابقة يبدو أدائه هنا أكثر نضجا وتركيزا على الداخل. ولم يعد يعتمد على الكاريزما الخارجية والوسامة فقط بقدر ما يعتمد على الصدق الداخلي، ما يجعله مناسباً لعمل يتناول الجرح الجماعي السوري بعد سقوط النظام. أداء مبهر وأبعاد نفسية يلمسها ويشاهدها المشاهد رغم أنها بداخله. لقد خسر الفن الكثير عندما توقف قطيفان عدة سنوات بسبب موقفه السياسي. وسيكون خالد شباط، الذي لعب دور فهد الغالب، من أبرز نجوم الدراما العربية بموهبته الرائعة في السنوات المقبلة. أشاهده الآن مع عابد فهد في مسلسل صياد المجنون.. كريستال الخائن. وتكمل كارمن لبس ونضال نجم وطلال مارديني ونانسي خوري ومصطفى سعد الدين لوحة إنسانية متعددة الأبعاد، حيث يسلط كل ممثل الضوء على طبقة اجتماعية أو نفسية مختلفة. قد يتم انتقاد بعض الخطوط الثانوية (مثل خط الابنة الهاربة) لأنها تثقل الإيقاع، لكنها لا تنتقص من قوة النواة الرئيسية. “الخروج من البئر يعبر عن الألم السوري الممتد منذ مجزرة حماة عام 1982 وحتى اللحظة الحالية، عمل يستحق المشاهدة”. الصحفي المصري @samykamalden




