اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-22 19:59:00
أحمد عسيلي، كنت أنوي هذا العام قضاء الأسبوع الأخير من شهر رمضان وعيد الفطر مع عائلتي في سوريا، لكن إلغاء الرحلات الجوية إلى دمشق وبيروت جعل ذلك مستحيلاً. وكان الحل بالنسبة لي هو السفر إلى مدينتي المفضلة، الإسكندرية، لقضاء العيد هناك. إلا أنني ترددت قليلاً، إذ أن ما كنت أقرأه على وسائل التواصل الاجتماعي عن سوء معاملة السوريين في مصر كان يسبب لي قدراً من القلق، خاصة أنني كنت أبحث عن الراحة والطمأنينة بعيداً عن أي توتر. لكن في النهاية غلب تعلقي بهذه المدينة وحبي لها، فسافرت إلى مصر رغم كل التحذيرات التي قرأتها، واليوم، وأنا على وشك الانتهاء من الأسبوع الأول من إقامتي، أستطيع أن أقول بكل ثقة أنه لم يتغير شيء في أجواء هذه المدينة، نفس اللطف، ونفس الروح المرحة، ونفس الاستقبال الذي عرفت به الإسكندرية منذ زيارتي الأولى هناك عام 1997. فلماذا ترددت؟ وهنا أجد نفسي مضطرا للاعتراف بأنني وقعت في خطأ نفسي شائع، رغم معرفتي المسبقة به، خطأ لا يتعلق بالمعلومات بقدر ارتباطه بطريقة عمل العقل نفسه، وآلية تعميم الصورة الجزئية وتحويلها إلى حكم شامل. ولعل ما عزز هذا التردد هو أنني لم أكن أتعامل مع فكرة مجردة، بل مع صور محددة ومتكررة ومشحونة عاطفيا (مثل صورة بعض السوريين مكبلي الأيدي أمام السفارة في القاهرة)، ومقاطع فيديو، ومئات المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي (فربما محادثة أخرى)، كلها توحي بواقع مختلف، وأن هناك توتراً في التعامل مع السوريين، وأن الأمور تغيرت كثيراً. لم تكن هذه الصور زائفة، لكنها كانت كافية لخلق انطباع عام، وكأنها تمثل الواقع برمته. ليست هذه هي المرة الأولى التي أجد نفسي في مواجهة هذه المفارقة. أتذكر جيداً فترة مظاهرات «السترات الصفراء» في فرنسا، عندما كانت بعض القنوات ووسائل الاتصال تبث مشاهد العنف والحرائق في شوارع باريس. في ذلك اليوم، تلقيت اتصالات من الأصدقاء والأقارب يسألونني بفارغ الصبر إذا كنت بخير، وكأنني أعيش في مدينة تغرق في الفوضى. والحقيقة أن تلك المشاهد، رغم صحتها، اقتصرت على شوارع محددة، وفي أوقات محدودة، ولم تعكس واقع المدينة ككل. خلال تلك الأحداث، كان الجميع يعملون كالمعتاد، وكنا نعيش حياتنا اليومية بشكل طبيعي، وحتى البعض… المرضى الذين كانوا يترددون على عيادتي، المنغمسين في تفاصيل حياتهم وهمومهم اليومية، لم يكونوا حتى على علم بحركة “السترات الصفراء”، إذ أن هناك الكثير من الفرنسيين (كغيرهم من الشعوب) لا يهتمون بالسياسة. وتكرر الأمر ذاته في سياقات أخرى. وأذكر هنا على سبيل المثال أن بعض القنوات المصرية عرضت في وقت من الأوقات صورا لخيام في أطراف باريس يسكنها بعض المهاجرين، أو مشاهد لتوزيع الطعام المجاني في الشوارع من قبل الجمعيات الخيرية. وقد عُرضت هذه الصور وكأنها تعكس «حال الفرنسيين اليوم». صور حقيقية، نعم، لكنها مأخوذة من سياقها، ومحملة بتعميم يتجاوزها بكثير، إذ تتعلق بأجزاء معينة من المدينة وعدد محدود من الناس. المشكلة إذن لا تكمن في الصورة نفسها، بل في الطريقة التي نعالجها بها. فالصورة تلتقط لحظة ما، بينما العقل يميل إلى تحويلها إلى موقف، وأحياناً إلى واقع كامل. ونحن هنا لسنا فقط ضحايا لخطاب إعلامي قد يكون موجها أو انتقائيا (كما هو الحال في كثير من الأحيان)، بل شركاء في إنتاج المعنى الذي نحمله عنه، وبشكل أدق، نساهم في تضليل أنفسنا. الأمر الأكثر إرباكًا هو أنه رغم مشاركتي في الجلسات العلمية والنفسية التي تناولت هذه الآليات، ومناقشتي لهذا الأمر مع متخصصين بارزين في فرنسا، سواء من الناحية الطبية العلمية أو آلياتها النفسية، إلا أنني وجدت نفسي أقع فيها، وكأن المعرفة لا تكفي لتعطيلها، أو وكأن شيئًا ما في طريقة عمل العقل يسبقه دائمًا. فالأمر لا يتعلق بجهل يمكن تصحيحه، بل يتعلق ببنية أعمق، حيث لا تكون الذات، كما يقول فرويد، “سيدة في بيتها”، بل تخضع لآليات تفرض اختزالا للواقع قبل أن تمنحنا فرصة لفهمه. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم التعميم على أنه خطأ عابر في الحكم، بل على أنه آلية نفسية راسخة. العقل، في سعيه لتقليل التعقيد، يميل إلى اختزال الواقع إلى صور بسيطة وسهلة الهضم. فما نراه يتحول بسرعة إلى ما «نظن أنه الحقيقة»، ليس لأننا ساذجون، بل لأننا لسنا قادرين دائمًا على تحمل التعدد والتناقض في الواقع. هنا تحل الصورة محل التفكير، ويحل الانطباع محل التحليل. وبهذا المعنى تصبح الصورة نقطة التقاء بين العرض الانتقائي للواقع والاستعداد النفسي لاستقباله كحقيقة كاملة. فالصورة لا تفرض معناها من تلقاء نفسها، بل تجد فينا القدرة على استقبالها بهذه الطريقة، وفي كثير من الأحيان رغماً عنا. التحدي الحقيقي هنا لا يكمن في الشك في كل ما نراه، بل في استعادة القدرة على التمييز بين الجزء والكل، وإعادة إدخال الصورة في سياقها الأوسع. ليس المطلوب منا أن نرفض الصور، بل أن نقاوم إغراءاتها عندما تدعي تلخيص العالم، لأن ما نراه في النهاية ليس الواقع، بل هو جزء منه، وغالبا جزء مجهري، وله جوانب كثيرة لا نعرفها. الخطأ لا يبدأ عندما يتم التقاط الصورة، بل عندما نعتقد أنها هي القصة بأكملها. ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى




