اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-29 23:00:00
شكّل حدث 7 أكتوبر 2023، المعروف بعملية طوفان الأقصى، نقطة تحول أساسية في مسار الصراع في المنطقة. وفي اليوم التالي، دخلت الجبهة اللبنانية خط المواجهة ضمن ما وصف بعملية دعم غزة، في نهج بدا وكأنه حل وسط بين المشاركة الكاملة في الحرب والاكتفاء بالمراقبة. وقد عكس هذا الاختيار توازناً بين الاعتبارات الميدانية والاستراتيجية، حيث انطلقت العمليات من المناطق الحدودية المتنازع عليها، مثل مزارع شبعا وتلال كفر شوبا. وعلى مدار عام، شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً تدريجياً تمثل بهجمات متكررة طالت مناطق مختلفة، بما فيها العاصمة بيروت، وأدت إلى استشهاد شخصيات بارزة بينها العاروري، ومن ثم استهداف أربعة قيادات من الصف الأول، من جواد الطويل إلى أبو طالب وأبو نعمة، ثم تدرج الأمر لاحقاً إلى استهداف بيروت من جديد باغتيال القائد محسن شكر أواخر تموز/يوليو 2024. وحتى اليوم تم استهداف شكر، وكانت قيادة الحزب مقتنعة بأن الإسرائيليين لا يريدون الذهاب إلى الحرب. فهو مفتوح، واستهداف بيروت خط أحمر. واعتبرت العملية الأولى استهداف أحد قيادات حركة حماس في إطار الحرب على غزة، تلتها العملية “الأكبر”، وتلاها أجهزة لاسلكية في اليوم التالي، ثم استهداف قيادات وحدة الرضوان بقيادة إبراهيم عقيل، واكتمل المشهد بعد أيام باستهداف واستشهاد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مع عدد من القادة بينهم علي كركي. ثم تكرر هذا المسار بعد ستة أيام باغتيال السيد هاشم صفي الدين مع عدد من القيادات الأمنية. وكان ذلك قد سبقه استهداف الشيخ نبيل قاووق ومسؤول إشارة المقاومة. وخاضت الأطراف المعنية، خلال هذه المرحلة، مواجهات مكثفة استمرت أسابيع، دون تغييرات حاسمة على الأرض، لكنها أسفرت عن خسائر بشرية كبيرة. وانتهت هذه الجولة بوقف إطلاق النار الذي وصف بالهش مع استمرار التوتر والانتهاكات. وأعقب وقف إطلاق النار فترة اتسمت بعدم الاستقرار، حيث استمرت العمليات العسكرية بوتيرة متفاوتة. وشهدت المناطق الحدودية في الأشهر الأولى أضرارا كبيرة نتيجة العمليات العسكرية، قبل أن تتوسع الهجمات لتشمل مناطق أبعد داخل الأراضي اللبنانية. بموازاة ذلك، طرأت تغييرات على المشهد السياسي الداخلي، تمثلت بانسحاب الحزب من دعم رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، بسبب الخسائر التي مني بها، والتي أدت إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية العماد جوزاف عون، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة القاضي نواف سلام، وفق معايير غربية شملت تسمية الوزراء. ووصل الأمر إلى نقاشات حادة حول قضيتي السيادة والسلاح، خاصة من خلال قرار 5 أغسطس، ثم قرار 7 سبتمبر. وقد حدثت هذه التحولات السياسية في بيئة داخلية منقسمة، حيث تباينت المواقف بين من يدعو إلى ترسيخ سلطة الدولة بشكل كامل، ومن يرى أن الأولوية تظل لمواجهة التهديدات الإسرائيلية أولا. كما صدرت قرارات رسمية بشأن تنظيم الوجود العسكري في الجنوب، على صعيد انتشار الجيش جنوب نهر الليطاني، ما أدى إلى اقتراح توسيع هذا التوجه ليشمل شمال النهر، ما أضاف بعداً جديداً للسجال الداخلي حول طبيعة المرحلة المقبلة. ويتقاطع ذلك مع تحولات إقليمية ملحوظة، من بينها التغير السياسي في سوريا مع رحيل الرئيس بشار الأسد، ووصول الرئيس أحمد الشرع إلى الرئاسة. وفي هذا السياق، اتسم أداء الحزب بقدر كبير من الترقب، إذ غابت الردود المباشرة لفترة، سواء نتيجة حسابات ميدانية أو اعتبارات سياسية، حتى حصلت حادثة إطلاق الصاروخ في 2 آذار/مارس الماضي، والتي صاحبتها ارتباك في التقديرات والتفسيرات. وتعددت الروايات بين من اعتبروا الحدث غير متوافق مع نمط العمليات السابق، ومن شككوا في طبيعته، حتى صدر بيان رسمي من الإعلام العسكري تبنى فيه العملية، ما أدى إلى إعادة خلط الأوراق وطرح تساؤلات جديدة حول مسار المرحلة المقبلة. وسرعان ما انعكس هذا الحدث على المشهد السياسي، إذ انعقدت اجتماعات حكومية انتهت إلى حظر النشاط العسكري والأمني للحزب باعتباره خارجاً عن القانون. لكن هذه التفاعلات أظهرت أيضاً اختلافاً في التقدير بين الأطراف المختلفة، في ظل واقع معقد ومتغير. بناءً على ما سبق، أعادت عملية «عاصفة الأكل» فتح النقاش حول طبيعة المرحلة الجديدة، ليس فقط من حيث الحدث نفسه، بل من حيث المعطيات الميدانية والتنظيمية التي كشفت عنها. وبعد فترة طويلة من الهدوء النسبي شابها الاستهداف، جاءت العملية لتطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما يحدث مجرد رد محدود، أم بداية إعادة رسم قواعد الاشتباك؟ أول ما لفت الانتباه، بحسب مصادر عسكرية وخبراء استراتيجيين، هو عنصر المفاجأة، حيث بدت العملية غير متوقعة بالنسبة للعديد من المراقبين، سواء من حيث توقيتها أو حجمها، مما يشير إلى القدرة على الحفاظ على قدر من السرية في الإعداد والتنفيذ. ويثير هذا العامل تساؤلات حول آليات تنظيم وإدارة العمليات في بيئة معرضة للأمن إلى حد كبير. ثانيا، أظهرت العملية، بحسب ما يتفق عليه الخبراء، أن القدرات العسكرية لم تتآكل بالشكل الذي كان يعتقد، إذ إن إطلاق عدد لا بأس به من الصواريخ في وقت واحد يعكس استمرار الجهوزية سواء على مستوى التخزين أو الإطلاق أو التنسيق، وهو ما يعزز الانطباع بوجود هيكل تنظيمي لا يزال قادرا على العمل رغم الضغوط المستمرة. ثالثاً، تبرز مسألة العرض كأحد الجوانب الأكثر إثارة للشكوك. وفي ظل المراقبة الجوية والاستهدافات المتكررة، يبدو، بحسب الخبراء، أن هناك آليات لا تزال تسمح باستمرار تدفق الموارد أو الحفاظ عليه. وهذا لا يعني بالضرورة أن الصورة واضحة، لكنه يشير إلى أن الواقع الميداني أكثر تعقيدا مما يبدو علنيا. رابعاً، على صعيد الأداء الميداني، تشير البيانات إلى القدرة على إدارة الاشتباك بوتيرة مختلفة، سواء من خلال استبدال العناصر أو مواصلة العمليات دون انقطاع واضح. ويعكس استمرار نقل الشهداء وإقامة مراسم التشييع علنًا أيضًا مستوى معينًا من السيطرة التنظيمية داخل البيئة المحلية. ويبدو أيضاً أن التنسيق بين محاور القتال في لبنان وإيران والوحدات الميدانية موجود على مستوى عالٍ، سواء بين وحدات النصر وبدر وعزيز، أو على مستوى إدارة العمليات، وهو ما يعكس درجة من الانسجام العملياتي. خامساً، لم تؤد العملية بعد إلى تغييرات حاسمة في خطوط التماس، وهو ما يعزز، بحسب الخبراء، فرضية أن المرحلة الحالية هي مرحلة إرهاق متبادل، يسعى فيها كل طرف إلى تحسين أوضاعه، ليصبح عامل الوقت جزءاً من المعركة في حد ذاته. سادسا: ما حدث لا يمكن فصله عن البعد النفسي. وبالنسبة إعلاميا، فإن العملية، بغض النظر عن نتائجها الميدانية المباشرة، أحدثت صدمة في الخطاب العام، خاصة أنها جاءت بعد فترة ساد فيها انطباع بتراجع القدرة على أخذ زمام المبادرة، وهو ما يعكس أهمية البعد الأخلاقي في إدارة الصراع إضافة إلى البعد العسكري. لذلك، يمكن القول، بحسب المصادر، أنه بعد نحو شهر من المواجهات، لا توجد مؤشرات واضحة على تحقيق العدو تقدماً ميدانياً ملموساً داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما يُستدل عليه من عدم وجود أدلة موثقة على إنشاء نقاط انتشار دائمة. لكن إسرائيل، عبر مسؤوليها، لا تزال تطرح فرضيات مفادها أنها ستتقدم نحو صيدا أو تصل إلى نهر الليطاني. علماً أن خبراء عسكريين يشيرون إلى اشتباكات قريبة المدى، ما يدفع العدو إلى استخدام القوة الجوية لدعم عملياته، بما في ذلك تنفيذ ضربات قرب مناطق انتشار قواته، كما حدث في الخيام. كما سجلت عمليات إجلاء في مستوطنات الشمال، وسط حديث عن تجدد المخاوف الأمنية بين السكان على ضوء تجارب سابقة. وفي هذا السياق، يطرح التساؤل حول مدى دقة ما يقال عن طبيعة التعاون على الجانب الآخر من الحدود مع سوريا، وهل شهد تحولاً مقارنة بالفترات السابقة، أم أن ذلك يبقى في إطار التقديرات التي لم تحسم بعد. مؤكد. وأخيرا، تثير هذه التطورات تساؤلات أوسع حول المرحلة المقبلة: هل يمكن أن تشكل هذه العمليات مقدمة لتحولات أكبر؟ وحتى الآن لا توجد مؤشرات قاطعة، لكن من الواضح أن قواعد الاشتباك لم تعد ثابتة كما كانت في السابق.


