اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-01 10:00:00
وفي ظل التصعيد المتسارع على الجبهة الجنوبية، يعود جنوب لبنان إلى قلب الحسابات الأمنية الإسرائيلية، لكن بشكل مختلف يتجاوز مفهوم الاحتلال التقليدي نحو محاولة فرض واقع ميداني مرن يمتد إلى نهر الليطاني. وبين تصريحات يسرائيل كاتس ومواقف بنيامين نتنياهو، يبدو واضحا أن ما يحدث لا يندرج في إطار تصعيد عابر، بل ضمن مسار متعمد يهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وحدود السيطرة، من خلال مزيج من الضغط الناري والتوغلات المحدودة، دون الانزلاق إلى تكلفة السيطرة المباشرة والدائمة. وفي هذا السياق، يبدو أن الجنوب يتجه نحو نموذج أمني هجين يقوم على ما يمكن تسميته بالمنطقة العازلة بالنار، تسعى إسرائيل من خلالها إلى تحقيق ردع مستدام بأقل تكلفة ميدانية ممكنة. لكن هذا النموذج، رغم واقعيته العسكرية، يصطدم ببيئة قتالية مرهقة وتعقيدات جغرافية وبشرية، إضافة إلى توازنات إقليمية متداخلة، ما يجعله عرضة للاهتزاز في أي لحظة. وفي هذا السياق يقول العميد بهاء حلال إن الجنوب لا يبدو أنه يتجه نحو احتلال طويل الأمد بالمعنى الكلاسيكي، أي تمركز قوات ثابتة داخل القرى والسيطرة المباشرة على الأرض. بل إن المعطيات الميدانية تشير إلى مسار مختلف يقوم على محاولة فرض واقع أمني مرن على طول الشريط الحدودي، من دون الانزلاق إلى كلفة التموضع الدائم. وتشير التجربة الحالية بوضوح إلى أن أي قوة تدخل القرى تواجه نمطا قتاليا مرهقا يعتمد على الاشتباك الوثيق ثم الانسحاب واستدراج القوات إلى نقاط مميتة، ما يجعل تكلفة البقاء أعلى بكثير من تكلفة التوغل نفسه، ويحول الإمساك بالأرض من إنجاز عسكري إلى عبئ ميداني مستمر. وبناء على ذلك، يبدو بحسب العميد حلال، أن التوجه الأرجح يعتمد على نموذج هجين يجمع بين الضربات النارية المستمرة سواء الجوية أو المدفعية، والتوغل المحدود والمؤقت، إضافة إلى السعي لإخلاء المناطق الحدودية أو إفراغها من أي بنية عسكرية معادية. وبهذا المعنى، فإننا أمام محاولة فرض منطقة عازلة بالنار، بدلاً من منطقة محتلة بقوات على الأرض. لكن تثبيت هذا الواقع كأمر دائم يواجه، بحسب حلال، تحديات جدية. أول هذه التحديات يتمثل في الرفض المحلي واستمرار المقاومة، وهو ما يحول دون تحقيق الاستقرار الأمني الفعلي في أي شريط عازل. التحدي الثاني هو الضغط الدولي، إذ أن فرض تغييرات طويلة الأمد على الحدود يتطلب غطاء سياسي غير مضمون، بينما يبقى العامل الثالث مرتبطاً بقدرات الرد المقابلة، إذ إن استمرار تهديد العمق الإسرائيلي يقلل من فعالية أي منطقة عازلة ويجعلها تفقد جزءاً أساسياً من جدواها. أما سيناريو إعادة رسم الحدود، فهو يبقى الأضعف في المرحلة الحالية، إذ يتطلب، بحسب الحلال، تسوية سياسية كبيرة تتجاوز الميدان، ولا يمكن فرضها. من خلال التفوق العسكري المؤقت. وعليه، فإن المشهد الحالي أقرب إلى حالة الإرهاق المحسوبة، التي تسعى إسرائيل من خلالها إلى فرض الجدار الأمني بالنار والضغط، دون الذهاب إلى احتلال مستقر أو تعديل شكلي للحدود. لكن هذا المسار يظل قابلاً للتطور في حال طالت الحرب، أو تغير ميزان القوى، أو زادت التدخلات الدولية، وهو ما قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية شبه دائمة، دون أن يصل إلى تغيير حدودي واضح. لكن هذا الإطار لا يلخص كل الاحتمالات، فالمشهد أكثر تعقيدا ويستوعب سيناريوهات إضافية تتقاطع وتتداخل مع بعضها البعض. وقد نشهد، بحسب العميد حلال، ما يمكن تسميته بالتجميد الميداني، حيث لا حرب شاملة ولا هدنة فعلية، بل خطوط تماس شبه ثابتة وقواعد اشتباك غير معلنة، تتراجع معها التوغلات الواسعة لصالح عمليات محدودة وانتقائية، ما يخلق جبهة تبدو هادئة على السطح لكنها قادرة على الاشتعال في أي لحظة. في موازاة ذلك، كما يقول الحلال، تظهر إمكانية الوصاية الأمنية غير المباشرة، حيث تفرض قيود على الجنوب من خلال مزيج من الضغوط الدولية والترتيبات الميدانية، من دون احتلال مباشر، وربما مع دور أكبر للأطر الدولية أو ترتيبات مراقبة صارمة، مما يؤدي إلى تقليص هامش الحركة العسكرية مقابل هدوء نسبي هش، ولا يمكن استبعاد سيناريو الاختراق الداخلي، مع انتقال الضغط من الميدان إلى الداخل اللبناني، عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، بهدف تعديل موازين القوى تدريجياً، وهو ما يترجم إلى أزمات داخلية متراكمة بدلا من المواجهات العسكرية المفتوحة. في سياق متصل، يبقى سيناريو التصعيد الإقليمي المحسوب حاضراً، إذ ترتبط الجبهة اللبنانية بساحات أخرى، كسوريا وغزة أو حتى التوتر الإيراني الإسرائيلي، ويصبح لبنان، بحسب العميد حلال، جزءاً من ردود متبادلة أوسع، ويشهد تصعيداً متقطعاً لا تحكمه حسابات محلية فقط. أما التراجع التكتيكي فهو بدوره يمثل احتمالاً قائماً، يقوم على تقليص مستوى الحضور العسكري المباشر مؤقتاً، مقابل إعادة بناء القدرات بهدوء، في انتظار اللحظة المناسبة لإعادة فرض التوازن، ما يخلق هدوءاً نسبياً يخفي الاستعدادات لمرحلة لاحقة. إذا كان الميدان هو الذي يحدد شكل الاشتباك، فإن مرحلة ما بعد الحرب تتشكل، كما يقول العميد حلال، إلى حد كبير من خلال أدوار القوى الإقليمية، التي لن تغادر الساحة اللبنانية، بل ستعيد تنظيم حضورها وأدواتها. وفي هذا السياق، ستسعى إيران إلى تثبيت معادلة الردع من خلال إعادة التموضع، والتركيز على النوعية بدلاً من الكثافة، والانتقال جزئياً من الحضور المباشر إلى العمل غير الواضح، سواء على المستوى الاستخباراتي أو الفني أو من خلال تطوير القدرات النوعية. والهدف هو الحفاظ على النفوذ ومنع انهيار معادلة الردع، دون الانجرار إلى حرب شاملة جديدة. في المقابل، ستعمل إسرائيل على فرض واقع أمني جديد في الجنوب، يتجاوز عملياً حدود القرار 1701، من خلال تقييد انتشار حزب الله، والاعتماد على مزيج من الضغوط الدولية والضربات الاستباقية عند الحاجة، لتحقيق معادلة «حرب بلا حرب»، أي الردع الدائم مع التدخل المحلي عند الضرورة. أما دول الخليج، وخصوصاً السعودية، فقد تعود إلى الانخراط في لبنان عبر بوابة إعادة الإعمار، لكن بشروط واضحة تتعلق بالإصلاحات السياسية والاقتصادية، واستعادة التوازن داخل مؤسسات الدولة. وبهذا المعنى يصبح الدعم الخليجي جزءاً من معادلة التوازن مع إيران، وليس مخرجاً منها. وبينما قد تحاول تركيا توسيع حضورها من خلال الاقتصاد والمساعدات الإنسانية، وربما من خلال أدوار سياسية محدودة، خاصة في الشمال، فإن نفوذها سيبقى دون مستوى اللاعبين الأساسيين، ويبقى العامل السوري عنصرا حاسما في هذه المعادلة، فهو الممر الجغرافي والاستراتيجي بين إيران وحزب الله، وهو ما يجعل أي تحول في سوريا – استقرار أو تصعيد – له تأثير مباشر على الساحة اللبنانية. وبين طموح فرض حقائق جديدة وحدود القدرة على تثبيته، يبقى الجنوب ساحة مفتوحة لصراع طويل يتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة، حيث تتداخل معادلات الميدان مع الحسابات السياسية، وتتقدم احتمالات الاستنزاف والتجميد على أي حل نهائي وشيك.


