السودان – المثقف والسلطة – سوداني

أخبار السودان4 أبريل 2026آخر تحديث :
السودان – المثقف والسلطة – سوداني

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-04 13:03:00

المثقف والسلطة: خمسون عاماً من تجربة الدكتور جعفر محمد علي بخيت (1930-1976) أحمد إبراهيم أبو شوك مقدمة إشكالية خمسون عاماً مرت على رحيل الدكتور جعفر محمد علي بخيت في الخرطوم في 26 مارس 1976، وكان وقتها وزيراً لوزارة الحكم الشعبي المحلي، وأحد أبرز قادة الفكر والعمل السياسي في حكومة مايو. (1969-1985); لأنها جمعت بين التدريب الأكاديمي المتين والممارسة العملية في إدارة الدولة. إن استحضار ذكراه في هذا الوقت ليس مجرد بادرة تكريم لشخصية تاريخية، بل هو أيضا استحضار لتجربة فكرية ومؤسسية لا تزال حاضرة في سياق الحديث عن بناء الدولة السودانية، وكيفية إصلاحها من الداخل. ولذلك فإن تجربة الدكتور البخيت تطرح أسئلة مركزية في الفكر السياسي المعاصر: هل يستطيع المثقف أن يمارس دوراً إصلاحياً من داخل نظام استبدادي دون أن يفقد استقلاليته النقدية؟ وكيف يحافظ المثقف بين الانطلاق في الإصلاح وبين الحفاظ على مبادئه التي تتعارض مع توجهات السلطة الحاكمة؟ قبل الإجابة على هذه الأسئلة، من المستحسن النظر في العلاقة بين الأصل والمبدأ. الأصل والمبدأ ولد جعفر محمد علي بخيت في ثلاثينيات القرن الماضي، في وقت كانت البلاد ترزح تحت وطأة الحكم الإنجليزي المصري (1898-1956)، وتشكلت البدايات الأولى للنخبة الحديثة التي ستقود طريق الاستقلال وما بعده. كان ينتمي إلى جيل آمن بدور العلم في خدمة المجتمع، فسعى إلى الجمع بين التحصيل الدراسي المتقدم والانخراط في قضايا الإدارة العامة والتنمية. ولم يكن العلم بالنسبة له ترفًا للمعرفة، بل كان أداة لفهم تعقيدات الدولة السودانية ومشاكلها البنيوية. وبرزت مساهماته المعرفية في مجال الإدارة العامة كأحد أوائل الذين سعوا إلى تأسيس هذا المجال في قسم العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، سواء من خلال التدريس أو الكتابة أو الممارسة المؤسسية. وتميزت رؤيته بالوعي العميق بخصوصية الدولة السودانية، إذ أدرك أن النماذج الإدارية الغربية لا يمكن نقلها ميكانيكيا، بل تحتاج إلى إعادة توطينها في واقع اجتماعي وثقافي مختلف. ولذلك كانت كتاباته قبل انقلاب 25 مايو 1969 تؤكد على ضرورة بناء جهاز إداري يعتمد على الكفاءة المهنية، ويستوعب في الوقت نفسه التنوع الاجتماعي ويخدم أهداف التنمية الوطنية. لكن قراءة تجربة الدكتور البخيت بعد مرور نصف قرن على رحيله تكشف أيضاً عن المفارقة التي عاشها جيله. ولا تزال العديد من الأفكار التي نادى بها ذلك الجيل -إصلاح الإدارة، وتعزيز الكفاءة، وتحقيق التوازن بين المركز والأطراف- تمثل تحديات قائمة في السودان. وعليه، يطرح سؤال جوهري حول مدى استفادة الدولة السودانية من التراث الفكري والإداري لنخبها، ولماذا لم يتحول هذا التراث إلى سياسات مستدامة تتبنى إيجابيات الممارسات الناجحة وتتجنب سلبياتها المتكررة. لقد اهتم الدكتور بخيت في صلب مشروعه الأكاديمي بمسألة الدولة: كيف تُبنى؟ كيف يتم إدارتها؟ وكيف يكون أداة لتحقيق العدالة والتنمية وليس مجرد أداة للسلطة الحاكمة؟ نفس هذه الأسئلة تتكرر بقوة اليوم في ظل الأزمات المتكررة والحرب الوحشية التي يشهدها السودان، مما يضفي على المراجعة الجادة بعدا استشرافيا يتجاوز إخفاقات عهد الدكتور البخيت. إن استذكار سيرته السياسية المهنية بعد مرور خمسين عاماً على رحيله لا ينبغي أن يقتصر على احتفال رمزي، بل يجب أن يتحول إلى مناسبة لإعادة قراءة إنتاجه المعرفي والاستلهام من دروس تجربته في سياق البحث عن مقاربات جديدة لإصلاح الدولة السودانية. إن الأمم التي لا تستثمر تراثها الفكري والسياسي تفقد أحد أهم مواردها في مواجهة تحديات الحاضر. وفي سياق الاحتفال الاستشرافي، تم إطلاق طبعة جديدة من كتاب الدكتور جعفر محمد علي بخيت “ثورة 1924 وتأسيس الحركة الوطنية في السودان”، وذلك في إطار ندوة بعنوان: “ثورة 1924 وأزمة البناء الوطني في السودان” المنعقدة في كمبالا في 24 أغسطس 2024. د. بخيت بين الإصلاح من الداخل وإشكالية الشرعية. لا يمكننا أن نفهم مشاركة الطبيب. وكان البخيت خارج سياق اللحظة التي تلت تموز/يوليو 1971، عندما أعلنت حكومة أيار/مايو (1969-1985) رغبتها في استقطاب الكفاءات الأكاديمية والتكنوقراط. واستجاب لهذه الدعوة عدد من الأكاديميين والتكنوقراط الذين اعتبروا أن مؤسسات الدولة هي أفضل أدوات التحديث وتفعيل السياسات التنموية والإدارية التي تخدم السودان بعيدا عن الخصومات الطائفية والحزبية، مما يضع طموحاتهم بين معضلتين: معضلة. مشاركتهم في السلطة التي أعطت للنظام العسكري غطاء شرعيا ومدنيا، ومعضلة أدوارهم الفعالة كما وصفها الدكتور منصور خالد، ومدى فاعليتهم في المساحة المتاحة للحركة والابتكار في ظل نظام عسكري قابض. وفي هذا الجانب لم يكن السودان استثناءً من محيطه الإقليمي. وشارك في مشروع النظام الناصري (1954-1970) عدد من المثقفين والخبراء المصريين، إيمانا منهم بإمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية، إلا أن بعضهم اصطدم بحواجز الفضاء السياسي المتاح من السلطة الحاكمة. بعد الثورة الجزائرية، انضمت مجموعة من المثقفين الجزائريين إلى حكومة جبهة التحرير. لكن أغلبهم واجه صعوبة التمييز بين الدولة كمشروع وطني والسلطة كجهاز يحتكر أدوات الحكم والإدارة والعقاب، فخيبت آمالهم. وعلى نحو مماثل، حظيت تجربة كوامي نكروما (1957-1966) في غانا، الذي اقترح “مشروع الدولة” في مرحلة ما بعد الاستعمار، بدعم من المثقفين الذين تصوروا أنه الطريق الآمن للخروج من الإرث الاستعماري. لكن آمالهم تبخرت عندما تحول المشروع إلى نظام حكم استبدادي، استنادا إلى أجندة الحزب الحاكم (حزب المؤتمر الشعبي)، مما أدى إلى المركزية المفرطة، وتراجع التعددية والاستماع لآراء أخرى، وكان المشروع التحرري محكوما عليه بالانهيار. تأطير تجربة الدكتور بخيت يمكن تأطير تجربة الدكتور جعفر محمد علي بخيت بين منهجين نظريين. الأول هو النهج الإصلاحي الذي يرى في الدخول في السلطة ضرورة لتحقيق التغيير، مفترضا أن المثقف يمكن أن يكون فاعلا من داخل مؤسسات الدولة. والثاني هو النهج النقدي الذي وضعه الدكتور محمود ممداني، على افتراض أن دولة ما بعد الاستعمار في أفريقيا لم تتغلب على الإرث الاستعماري، بل أعادت إنتاجه في شكل جديد، مع الحفاظ على ثنائية المركز/الهامش، والحفاظ على أنماط الحكم غير المتكافئ. وفي ضوء هذين التوجهين يمكن الاستنتاج أن تجربة الدكتور البخيت، في بعدها الأولي، تشكلت وفق طموح شخصي لإعادة بناء الدولة الوطنية وتحقيق الاتجاه نحو الإصلاح والتطوير الإداري، بهدف الثقة بفعالية السلطة التنفيذية في تحقيق رؤيتها الإدارية. ولا شك أن هذا الرهان الجيد يطرح سؤالاً جدلياً: إلى أي مدى تمكن الدكتور البخيت من الحفاظ على استقلاليته داخل هيكلية السلطة المركزية المغلقة؟ أم أنه وجد نفسه أمام خيارين مريرين: إما التكيف مع النظام القائم، أو الخروج من دائرة النفوذ التي كان يسعى إلى تحقيقها؟ الخلاصة: لا يمكن اختزال تجربة الدكتور جعفر محمد علي بخيت في ثنائية الإدانة أو التبرير. بل ينبغي قراءتها في سياقها التاريخي، المتمثل في لحظة ظهور المشروع الإصلاحي الذي بشرت به حكومة ماي في بداية ولايتها، والظروف السياسية المعقدة المحيطة به، فضلا عن الحدود البنيوية التي تعكس ضعف مؤسسات الدولة وأدوارها الوظيفية في ظل نظام استبدادي لا يرى في مرآة الواقع سوى الحفاظ على بقائه. لذلك، لا يصح النظر إلى الدكتور البخيت كمجرد مبرر لشرعية السلطة العسكرية، بل كمثقف يراهن على مؤسسات الدولة كأدوات فعالة للتحديث، قبل أن يكتشف حدود هذا الرهان داخل بنيتها السلطوية المنغلقة. ومن هنا فإن معضلة المثقف في دول ما بعد الاستعمار، العربية والأفريقية، ليست قضية فردية، بل هي مشكلة بنيوية، تتجلى في هشاشة الدولة الوطنية نفسها، وتعدي السلطة التنفيذية على سائر السلطات الأخرى. وفي ضوء هذا الافتراض فإن السؤال التحليلي يتجاوز التساؤل: لماذا شارك الدكتور بخيت في سلطة مايو العسكرية الانقلابية؟ للانتقال إلى سؤال أعمق: هل سمحت سلطة انقلاب مايو بدور إصلاحي حقيقي من داخلها؟ وهنا تكمن القيمة التحليلية لتجربة بخيت. وهو لا يقدم إجابة حاسمة، بقدر ما يفتح الأفق لنقد أعمق لعلاقة المثقف بالسلطة في العالمين العربي والإفريقي. وفي الختام، فإن التحدي الحقيقي لا يتجسد في تحديد موقع المثقف داخل السلطة أو خارجها، بل في كيفية تفعيل دوره في إعادة بناء الدولة على أسس أكثر عدلاً وتوازناً، والاستماع إلى الرأي الآخر الصحيح وفق عقد اجتماعي ينظم علاقته العمودية مع المحكومين (أو المواطنين)، واستجابته للإصلاحات التي تصب في الوعي الدستوري والخدمي للدولة، التي تجمد نبض نهضتها بسبب الأداء الضعيف المتكرر للنخب. ahmedaboushouk62@hotmail.com

اخبار السودان الان

المثقف والسلطة – سوداني

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#المثقف #والسلطة #سوداني

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل