اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-05 11:52:00
زهير عثمان نبوءات بلا أنياب – لماذا يرى الشيوعي السوداني كل شيء.. ولا يغير شيئا؟ وفي المشهد السوداني الحالي، لا تقتصر المعارك على الأسلحة فقط، بل تمتد إلى “حرب الروايات”. وبينما يقتسم الجنرالات السلطة غنائم، وتغير الفصائل ولاءاتها بشكل أسرع من تصريحاتها، يقف الحزب الشيوعي السوداني في زاوية المشهد هادئا ودقيقا ومربكا. وهو الحزب الذي يرى ما لا يراه الآخرون، ويتنبأ بالكارثة قبل وقوعها، ثم يكتفي بالجلوس في الصفوف الخلفية ليقول عبارته الشهيرة «ألم نقول لكم؟» السؤال نفسه يطرح اليوم بمرارة: هل تحوّلت الجهة المرموقة إلى «خبير تشريح» ماهر في فحص الجثة، لكنه عاجز تماماً عن إنقاذ المريض؟ رادارات دقيقة في زمن “العمى السياسي” لا يمكن إنكار أن الحزب يملك “الرادارات” الأكثر دقة للتحليل السياسي في السودان، ليس لذكاءه الاستثنائي، بل لاعتماده منهجية صارمة في قراءة موازين القوى. وبينما كان آخرون يغرقون في أوهام «الشراكة»، رأى الحزب أن انقلاب 2021 هو «بداية حرب مؤجلة». وقبل انفجار 15 نيسان/أبريل، لم يقرأ الحزب «التوتر السياسي»، بل «العد التنازلي لاشتباك مسلح». المشكلة تكمن هنا. كل هذه القراءات كانت صحيحة بشكل «محرج» للجميع، لكن الطرف الذي يقرأ المستقبل بدقة يبدو عاجزاً عن تغيير مساره ولو بدرجة واحدة. العقل النشط في الجسم المخدر يشبه العقل المحترق. داخل جسم يعاني من شلل الحركة. فجوة كبيرة تفصل بين «التحليل» و«الفعل» وغياب التأثير على الأرض في حرب تدار وفق منطق السلاح والموارد. ومن لا يملك أدوات ضغط على الأرض يُعامل كـ«معلق جانبي»، واختار الحزب دور «الضمير»، فيما يُدار البلد وفق منطق «القوة»، القطيعة مع «جيل البقاء». لقد تغير الشارع السوداني؛ فالجيل الجديد لا يبحث عن أيديولوجية راسخة بقدر ما يبحث عن سبل البقاء. وهنا يبدو الحزب وكأنه يخاطب واقعاً كلاسيكياً لم يعد موجوداً إلا في أدبه القديم. النقاء الذي يولد العزلة. يرفض الحزب التحالفات «غير النقية» مع القوى المدنية الأخرى، ويبقى طاهراً… لكنه يبقى وحيداً، وفي عالم السياسة ليست الوحدة فضيلة، بل انتحار صامت. عندما تتحول «الدقة» إلى عبء، فإن المأساة الحقيقية ليست أن الحزب «على خطأ»، بل أنه غالباً ما يكون «على حق»، والماركسية بالنسبة لها تحولت من أداة لفهم الواقع إلى إطار صلب غير قادر على ملامسته، فهو يفسر الصراع بلغة «الطبقات»، بينما الواقع على الأرض يدار بلغة «القبيلة والسلاح والذهب». الحزب يريد «حلولاً نظيفة» في واقع «قذر» غارق في الدماء والمساومات، ومع إدمانه على «الصواب التام» يخسر حتى «ربع ما هو ممكن»، ليجد نفسه في النهاية خارج الملعب تماماً. خبير الأرصاد الجوية في قلب الإعصار. يمكننا أن نقول بوضوح أن الحزب الشيوعي لم يفشل في “الفهم”، بل فشل في “التحول”. إنه مثل خبير الأرصاد الجوية الذي يحدد بدقة مسار الإعصار ووقت وصوله، لكنه لا يملك صلاحية إخلاء المدن، ولا حتى صفارة الإنذار التي يمكن للناس سماعها. وكلما ازدادت الأزمة تعقيداً، كلما زادت دقة تحليلات الحزب، وكلما ازدادت دقة، ظهر عجزه. ليست المأساة أن الحزب لا يعرف الطريق، بل أنه يتوقف عند بدايته، موضحا للمارة إلى أين سيقودهم، فيما يستمر الجميع على ذلك الطريق… ومن دونه الكلمة الأخيرة هي أن خلاص الحزب لروحه لا يكمن في التخلي عنه. فكرته، بل في تحريره من «الركود»، والسياسة ليست مجرد معرفة ما سيحدث، بل القدرة على التدخل في مجرى الأحداث لتقليل الخسائر. فهل ينزل الحزب من «برج التحليل» إلى «أرضية العمل» قبل أن تبتلعت الحرب ما تبقى من خريطة السودان؟ zuhair.osman@aol.com




