اخبار ليبيا اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار ليبيا- اخبار ليبيا الان
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-06 01:34:00
أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبد اللطيف تلوبة، أن الانخفاض المفاجئ في سعر الدولار خلال الأيام القليلة الماضية، والذي رفع قيمة الدينار بنحو 10%، تحقق بتكلفة عالية تجاوزت 400 مليون دولار، موضحا أن الأمر لا يتعلق بإمكانية رفع قيمة الدينار من عدمه، بل بمدى تكلفة هذا الإجراء التي وصفها بأنها مرتفعة جدا على خزينة الدولة. وقال طلوبة، في تصريحات لقناة ليبيا الحدث، رصدتها الساعة 24، إن التذبذب الذي يشهده السوق في سعر الصرف أمر طبيعي تحكمه قوى العرض والطلب، مبينا أن ضخ كميات كبيرة من العملة الصعبة يؤدي إلى انخفاض قيمتها مقارنة بارتفاع قيمة الدينار الليبي، بينما تقييد هذا العرض يؤدي إلى العكس. وأشار إلى أن هذه الكميات الكبيرة من العملة الصعبة تتبخر خلال فترة قصيرة، ما يطرح التساؤل حول مدى جدوى ضخها بهذه الطريقة، وأن دعم العملة المحلية من خلال هذه الآلية قد يحقق نتائج مؤقتة، لكنها غير مستدامة، إذ لا يمكن الاعتماد على توفر العملة الصعبة إلى أجل غير مسمى. ونوهت طلوبة إلى أن توفر النقد الأجنبي حاليا قد يكون مرتبطا بعوامل خارجية مثل التغيرات في سوق النفط نتيجة الأزمات الدولية، لكن الاعتماد على مثل هذه الظروف يعتبر خطيرا، لأنه يربط استقرار الاقتصاد المحلي بمصائب الآخرين، وهو وضع ليس مضمونا استمراره. وأكد أن استمرار البنك المركزي في ضخ مئات الملايين يوميا للحفاظ على سعر صرف منخفض للدولار يمثل معادلة غير مستدامة اقتصاديا. ووصف طلوبة هذه الإجراءات بأنها أشبه بـ”المسكنات” المؤقتة التي لا يمكن البناء عليها، وأوضح أن الحل يكمن في إصلاحات هيكلية عميقة لا تقتصر على البنك المركزي، بل تشمل كافة الهيئات التشريعية والتنفيذية، مؤكدا أن الخلل في الاقتصاد الليبي تراكمي وهيكلي، ويرتبط بالاعتماد على مصدر واحد للدخل منذ اكتشاف النفط، بالإضافة إلى ترسيخ نمط استهلاك يعتمد على هذا المورد. وحذر من خطورة الاعتقاد بأن النفط يضمن الرخاء الدائم، معتبرا أن هذا التصور يؤدي إلى تراجع الإنتاج والبحث عن البدائل. وإلى جانب ضعف إدارة الموارد، ما يتطلب إعادة النظر في بنية الاقتصاد وتعزيز التنوع والإنتاجية، قال طلوبة إن البنك المركزي “انخرط في مهام ليست من اختصاصه”، ما جعله عرضة لانتقادات تفوق طاقته، موضحا أن دوره اقتصر على إدارة السياسة النقدية وتقديم المشورة للهيئتين التشريعية والتنفيذية، وليس إدارة الاقتصاد بشكل شامل. وأضاف أن غياب أو ضعف أداء المؤسسات المعنية بالتخطيط الاقتصادي، مثل وزارتي التخطيط والمالية، ومصلحتي الضرائب والإنتاج، أدى إلى تركيز الانتقادات على البنك المركزي. ورغم أن الأزمة هي نتيجة خلل هيكلي شاركت فيه أطراف مختلفة، إلا أنه أكد أن المصرف «لا يستطيع حل مشكلة سببها الجميع». وأشار تلوبة إلى أن الاقتصاد الليبي كان يعاني قبل 2011 من ضعف الإنتاج، لكنه كان يشهد درجة من الانضباط في إدارة إيرادات النفط، من خلال الادخار وفرض قيود على الإنفاق والواردات، لافتا إلى أن الوضع بعد ذلك شهد تفاقم الخلل، مع توسع كبير في الإنفاق الحكومي، وتراجع الإنتاج المحلي، والانفتاح غير المنضبط على الواردات، إضافة إلى انتشار التهريب وتقسيم المؤسسات. وتابع: “لا يمكن للبنك المركزي أن يكون جزءا من الحل إلا إذا التزمت السلطتان التشريعية والتنفيذية بضبط الإنفاق العام ووضع حدود صارمة عليه، إضافة إلى دعم المؤسسات المالية”، مؤكدا أنه “لن يكون الجهة الرئيسية القادرة على تقديم الحل الشامل”. وحذر تلوبة من لجوء البنك المركزي إلى استخدام الأموال المدخرة لتغطية الاحتياجات، معتبرا ذلك مؤشرا خطيرا على تآكل الاحتياطيات، خاصة في ظل الاعتماد على عوامل خارجية مثل ارتفاع أسعار النفط نتيجة الأزمات الدولية، وهو ما وصفه. إنه “حل مبني على مصائب الآخرين”. وأشار إلى أن إنفاق نحو 25 ملياراً على القطاع النفطي بهدف رفع الإنتاج لم يحقق نتائج ملموسة، معتبرا ذلك مؤشراً مقلقاً لضعف كفاءة الاستثمارات، مشككاً في جدوى الاستمرار على هذا النهج دون عوائد حقيقية. وعن قدرة البنك المركزي على الاستمرار في دعم الدينار، أوضح طلوبة أن الأمر أشبه بـ”ميزانين” بين التوسع في الإنفاق الحكومي بالعملة المحلية وضخ البنك للعملة الصعبة لاستيعاب هذا الفائض، مؤكداً أن استمرار ارتفاع الإنفاق سيؤدي في النهاية إلى عدم قدرة البنك على الحفاظ على استقرار سعر الصرف. وأشار إلى أن احتياطيات البنك لا تزال عند مستوى جيد حاليا، لكن استمرار الوضع على هذا النحو لن يكون مستداما. ومن المرجح أن يتمكن البنك من الصمود مؤقتا في حال استمرت أسعار النفط في الارتفاع، لكنه حذر من أن أي تراجع في الأسعار قد يدفعه للإعلان عن عدم قدرته على تلبية الطلب على العملة الصعبة. ورأى طلبة أن الحديث عن استهداف سعر صرف عند مستوى 7.90 دينار للدولار قد يكون ممكنا من الناحية النظرية. لكن الأمر يعتمد بشكل أساسي على حجم العملة الصعبة التي يتم ضخها، مشيراً إلى أن الوصول إلى هذا المستوى أو حتى أقل مما هو ممكن “إذا فتحت خزائن المصرف وبيعت كميات غير محدودة من الدولارات”. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في مدى القدرة على الاستمرار في هذا النهج. وأضاف أن البنك المركزي لم يعد يصدر بيانات رسمية واضحة خلال الأشهر الماضية، معتمدا على ما وصفها بسياسة “التسريبات” التي قد تؤثر على سلوك السوق من خلال التوقعات حتى دون التأكد من صحتها، موضحا أنه قد يتم استخدام هذه الآلية. ولتهدئة السوق أو التأثير عليه نفسيا، أكد تلوبة أن استمرار ضخ العملة الصعبة يواجه تحديا كبيرا يتمثل في وجود كميات كبيرة من الدينار الليبي في التداول دون عائد إنتاجي، مما يضطرها إلى التحول إلى طلب على النقد الأجنبي في ظل عدم وجود إنتاج محلي قادر على استيعاب السيولة، وهو ما يجعل البنك المركزي الجهة الوحيدة التي تتحمل عبء امتصاص هذا الفائض. وأشار إلى أن بيانات البنك المركزي تظهر اعتماد الاقتصاد الليبي بشكل شبه كامل على النفط، إذ تبلغ إيراداته نحو 14.4 مليار منها 13.9 مليار من النفط. النفط، مقابل إنفاق يصل إلى 6.5 مليار دينار، ذهب معظمها إلى الاستهلاك بما في ذلك الرواتب والدعم، وهو ما وصفه بـ”المعادلة الخطيرة” القائمة على الأحادية وتركيز الإنفاق في الاستهلاك. وعن وصف البنك المركزي بأنه تحول إلى “تاجر عملة”، أوضح أستاذ الاقتصاد أن المؤسسة أصبحت وجهاً للانتقادات نتيجة غياب بقية المؤسسات، مشيراً إلى أن التحول نحو الأنظمة الرقمية في توزيع العملة الصعبة قائم بالفعل، لكنه يجري ضمن “نظام اقتصادي غير سليم”، مع استمرار الطلب على النقد الأجنبي بسبب ضعف الثقة فيه. العملة المحلية وغياب البدائل الإنتاجية. وأوضح أن زيادة الإنفاق الحكومي بالعملة المحلية يدفع المواطنين للتخلص منها من خلال شراء الأصول أو العملات الأجنبية أو السلع المستوردة، وهو ما يعكس تراجع قبول الدينار الليبي، مؤكدا أن المشكلة تتجاوز شكل النظام المالي سواء النقدي أو الرقمي، إلى خلل بنيوي أعمق. وقال إن مسألة نشر البيانات المتعلقة بتوزيع العملة الصعبة بين فئات السوق المختلفة لا تزال تفتقر إلى الشفافية الكاملة، معتبرا أن البيانات “حق للمواطن” ويجب نشرها بشكل واضح ودوري، محذرا من استمرار حالة الغموض التي تتسم بها. عمل المؤسسات المالية في ليبيا. وأضاف أن قدرة مصرف ليبيا المركزي على مواصلة دعم الدينار الليبي من خلال ضخ العملة الصعبة مرتبطة بعوامل غير مستدامة، موضحا أن الاعتماد على أسعار النفط المرتفعة أو على الاحتياطيات والاستثمارات لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى، مما يعني أن البنك سيضطر في مرحلة ما إلى التوقف، مما قد يؤدي إلى عودة السوق الموازية بشكل طبيعي. وأشار إلى أن التركيز على هدف واحد وهو “محاربة السوق الموازية” ليس هدفا واقعيا بدرجة كافية، داعيا إلى اعتماد نهج أوسع يشمل تنمية الإنتاج المحلي وخفض الواردات وفرض حدود واضحة على الإنفاق العام، على اعتبار أن حجم الإنفاق الإجمالي هو العامل الحاسم في استقرار السوق وليس تعدد جهات الإنفاق. وأوضح تلوبة أن عدم تحديد سقف للإنفاق العام في ليبيا يمثل أحد أبرز العيوب، لافتا إلى أن السوق لا يهتم بعدد جهات الإنفاق بقدر ما يهتم بإجمالي الإنفاق، وهو ما يتطلب وضع حد أعلى يتناسب مع حجم الدخل المتوقع للدولة، وفيما يتعلق بدور المستشارين الاقتصاديين في صياغة سياسات البنك المركزي، أوضح تلوبة أن الواقع الاقتصادي الضاغط قد يؤدي في بعض الأحيان إلى تخطي المشاورات أو عدم الاستجابة لها. لافتاً إلى أن تراكم الأزمات الاقتصادية في ليبيا على مدى عقود، بالإضافة إلى الاعتماد على اقتصاد ريعي يعتمد على مصدر واحد للدخل، جعل عملية الإصلاح أكثر تعقيداً وصعوبة. وأضاف أن الإصلاحات الاقتصادية غالبا ما تكون مكلفة اجتماعيا وسياسيا، وقد تواجه مقاومة واسعة النطاق، مشيرا إلى أن هذا النمط يتكرر في مختلف دول العالم، حيث تتطلب سياسات الإصلاح قدرا كبيرا من التحمل والصبر. وشدد طلوبة على أن مصرف ليبيا يفتقر للأدوات اللازمة لإلزام باقي الأطراف بتخفيض الإنفاق أو توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج المحلي، وهو ما يجعل مهمة الإصلاح الاقتصادي أكثر تعقيدا في ظل غياب منظومة متكاملة قادرة على فرض الانضباط المالي. وأضاف أن جوهر الإصلاح المطلوب لا يكمن في توحيد الإنفاق نفسه، بل في ضبط حجمه الإجمالي ضمن سقف الإيرادات المتاحة، مؤكدا أن توحيد جهات الإنفاق مسألة إدارية وتنظيمية تتعلق بشكل الدولة، في حين أن التأثير الحقيقي على السوق يرتبط بحجم الإنفاق الإجمالي، بغض النظر عن عدد الجهات المنفذة له. ويرى تلوبا أن الفارق الأساسي يكمن في الاستقرار، فالاقتصاد يتمثل في التوازن بين الدخل والإنفاق، لافتاً إلى أن إنفاق أي أسرة مثلاً لا يؤثر على السوق طالما أنه في حدود دخلها، وهذا ينطبق على الاقتصاد ككل، إذ أن عدد جهات الإنفاق لا يهم بقدر إجمالي المبلغ المنفق. وفي سياق متصل، أكد طلوبة أن المشكلة الأساسية في ليبيا تكمن في ارتفاع حجم المعروض النقدي بالعملة المحلية مقارنة بمحدودية الإنتاج المحلي، ما يدفع المواطنين إلى تحويل الدينار الليبي إلى طلب متزايد على العملة الأجنبية، في ظل غياب فرص الاستثمار وضعف الإنتاج، ما يجعل البنك ضعيفا. والبنك المركزي في مواجهة مباشرة مع هذا الفائض النقدي. وأشار إلى أن زيادة الإنفاق العام بعد عام 2011، بالإضافة إلى الانقسام السياسي والحروب، أدى إلى تضخم كبير للسيولة داخل السوق، مقابل محدودية قدرة الاقتصاد على استيعابها، مما عمق الاختلالات المالية والاقتصادية.


