اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-07 12:16:00
في الذكرى 26 لوفاة الحبيب بورقيبة (6 أبريل 2000)، نستذكر رجلا ترك بصمة واضحة في بناء الدولة التونسية ومسارها السياسي. دعونا نقرأ القائد والرئيس من خلال السياسات التي تركها وراءه والتحولات التي أحدثها في المجتمع والتاريخ، وليس من خلال حسابات المقربين منه أو أحكام خصومه. فالتاريخ يُفهم بوعي، ويُقاس جوهر الدولة بنتائج ملموسة، وليس بقصص تُروى خارج سياقها التاريخي. وخير ما يمكن أن نهديه لذكرى رجل أسس دولة هو أن نمنحه قراءة تليق بما بناه. العقيد محسن بن عيسى * من المؤسف أن الحديث عن القائد لم يعد يقتصر على تحليل سياساته أو تقييم تأثيره في بناء الدولة، بل تحول في كثير من الأحيان إلى روايات شخصية، تمتزج فيها الشهادة بالانطباع، والتجربة الذاتية مع الرغبة في التبرير أو الإدانة. ومع تزايد المذكرات والكتابات التي يدعي مؤلفوها أنهم قريبون منه، أصبح من الصعب التمييز بين ما يكتب كمادة تاريخية وبين ما يقدم كرواية شخصية تحكمها ظروف مؤلفها ومكانه. وهذا لا يعني تجاهل دور من ساهم في مرحلة معينة أو قام بمهمة محددة، لكن المساهمة في فصل من التاريخ شيء، واختزال مسار القائد بشهادة من كان إلى جانبه شيء آخر. إن القرب من السلطة لا يعني امتلاك مفاتيح فهمها. حدود مسافة الحجز. وهنا يطرح سؤال الأسلوب والصدق: ما حدود «مسافة الحجز» بين العاملين في أجهزة الدولة؟ إن الكتابة عن بورقيبة أو غيره من رجال تلك الفترة من قبل “أبناء الدولة” يجب أن تكون “رصينة وغير انطباعية”. المسؤولية التاريخية تقتضي التخلي عن السرد الذاتي الذي يخدم الأنا على حساب المؤسسة. والمؤسف أننا بدأنا نرى من انتهك «أسرار الدولة» تحت اسم «المذكرات الشخصية»، يحول كواليس الحكومة من مادة للدراسة والدراسة إلى تفاصيل للاستهلاك العابر. إن واجب التحفظ ليس مجرد التزام وظيفي مؤقت، بل هو «دليل أخلاقي» يضع خطا فاصلا بين المؤرخ المسؤول الذي يحلل آليات القرار، وصاحب الشاهد المنغمس في تفاصيل شخصية قد تنير زاوية ذاتية ولكنها تظلم الرؤية الشاملة للدولة. ينبغي كتابة المذكرات لا لكشف المستور أو لإثارة الفتن بالعودة إلى مراحل مضطربة، بل لتوثيق مسار وطني نتحمل فيه مسؤولياتنا بشجاعة الرأي والضمير، مؤمنين أن من عاش المرحلة واختبر صدق النوايا هو الذي سيعطي كل ذي حق حقه. وفي المقابل فإن كتابات المعارضين لا تقل بعداً عن مقتضيات الحق. ومنهم من فضل انتظار غياب القائد ليقول ما لم يجرؤ على قوله في حياته. وكانت كتاباتهم في بعض الأحيان أقرب إلى تصفية الحسابات منها إلى انتقاد المشروع. هذه الأقلام التي انتظرت غياب صاحب القرار لتسوية حساباتها المتأخرة، تفتقد المصداقية العلمية بقدر افتقارها إلى الشجاعة الأخلاقية، متناسية حكمة الرجل الذي كان يردد دائما: «لا شيء يبنى على الكراهية». الخطاب المسؤول والرأي العادل، نحن اليوم أمام جبهتين في القراءة: جبهة تميل إلى «العرض الدرامي» المبني على الإثارة والمبالغة في الحقائق الشخصية، وجبهة أخرى تتبنى «الخطاب المسؤول والرأي العادل» الذي يزن الأمور في موازين الدولة. ولا ننكر هنا أن العظماء والقادة ارتكبوا أخطاء في خضم المعارك التي خاضوها، سواء كانت ليبرالية أو تنموية أو اجتماعية، وهذه حقيقة إنسانية لا مفر منها. لكن الإنصاف يقتضي القول إن حجم هذه العثرات أمام «علو البناء» وما تحقق للبلد، لا يترك مجالاً للمقارنة. فلا تناسب ولا تناسب بين أخطاء المسار وعظمة الأثر. دعونا نقرأ بورقيبة من خلال السياسات التي تركها وراءه والتحولات التي أحدثها في المجتمع والتاريخ، وليس من خلال روايات المقربين منه أو أحكام خصومه. فالتاريخ يُفهم بوعي، ويُقاس جوهر الدولة بنتائج ملموسة، وليس بقصص تُروى خارج سياقها التاريخي. وخير ما يمكن أن نهديه لذكرى رجل أسس دولة هو أن نمنحه قراءة تليق بما بناه. رحم الله القائد والرئيس الحبيب بورقيبة وأسكنه فسيح جناته. ونأمل أن يُقرأ التاريخ بإخلاص للحقيقة، فأسرار الدولة أمانة في أيدي الرجال، وليست مادة للنقاش أو التباهي”. * ضابط سابق في الحرس الوطني.


