اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-08 17:25:00
وتشهد الصناعة السورية تدهوراً سريعاً لم يعد من الممكن تجاهله، مع خروج المصانع المعروفة من الإنتاج، وتآكل القطاعات التي كانت تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد. ولا يرتبط هذا التراجع بظروف عابرة، بل يعكس مسارا واضحا تقوده سياسات تجمع بين ارتفاع تكلفة الإنتاج وفتح الأسواق أمام الواردات منخفضة الرسوم. والنتيجة المباشرة لهذه السياسة هي فقدان القدرة التنافسية وتعطل سلاسل الإنتاج وخسارة آلاف فرص العمل، ويقابل ذلك ازدهار التجارة والتجار. تتقاطع شهادات الصناعيين وبيانات السوق لتؤكد حقيقة واحدة: البيئة الحالية لا تدعم الإنتاج، بل تقتله. ومع استمرار هذا النهج، يتحول تراجع الصناعة من الأزمة إلى مسار محكوم عليه بالفشل. توقفت مصانع السيراميك. على الرغم من التاريخ الطويل والسمعة الراسخة لصناعة السيراميك في سوريا، توقفت مصانع بارزة مثل “بلقيس” و”زنوبيا” و”إشبيلية”، كنتيجة مباشرة للاختلالات العميقة التي أثرت على بنية القطاع. وبحسب مدير عام شركة بلقيس، عبد الرحمن أورفلي، فإن القطاع يمتلك طاقة إنتاجية تبلغ 52.873 مليون متر مربع سنويا، في حين أن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز 7.426 مليون متر مربع، وهو ما يكشف عن فجوة حادة بين الإمكانيات المتاحة والاستثمار الفعلي. من داخل مصنع زنوبيا للسيراميك في سوريا (انترنت) رافق هذا التراجع تراجع كبير في العمالة، بعد أن وظف القطاع ما بين خمسة وستة آلاف عامل مباشر، إضافة إلى خمسة آلاف عامل غير مباشر اعتمد على الورق المقوى والنايلون والمخرطة وورش الصيانة، ما أدى إلى تعطيل كامل سلاسل الإنتاج المرتبطة به. ويوجد في سوريا تسعة مصانع للسيراميك أبرزها “الشام” و”بلقيس” و”تاج بلقيس” و”زنوبيا” و”إشبيلية” و”سيسكو”، إضافة إلى مصانع “غرناطة” و”الريف” و”الوطنية” التي تحتاج إلى إعادة تأهيل. ومع صدور قرار السماح باستيراد السيراميك بأسعار جمركية منخفضة، توقفت مصانع “تاج بلقيس” و”إشبيلية” و”الشام” و”سيسكو”، وعدة خطوط إنتاج في “زنوبيا”، بشكل جزئي أو كلي، بحسب ما قاله أورفا. وأدى هذا الانفتاح على الواردات إلى إغراق السوق بالسلع المستوردة، بعضها لا يطابق المواصفات القياسية السورية ولا يخضع للفحص الدقيق في المعابر الحدودية، بحسب ما نقلت صحيفة “الثورة السورية”. وبالتوازي مع ذلك، ارتفعت تكاليف مواد الطاقة مثل الديزل والغاز والوقود والكهرباء، والتي تشكل نحو 45% من تكلفة صناعة السيراميك، مع الاعتماد على الغاز المسال المستورد عالي التكلفة بدلا من الغاز الطبيعي المحلي، إضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود عن نظيراتها العالمية. هذه المعطيات تضع المنتج السوري بشكل مباشر خارج المنافسة، وتؤكد وجود خلل واضح في السياسات الاقتصادية التي تجمع بين ارتفاع تكاليف الإنتاج والانفتاح الواسع على الواردات. ويؤكد لي أورفا أن استمرار هذا الواقع يهدد بتوقف معظم المصانع، بما له من تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة. وفي محاولة للحد من هذا التدهور يقترح القطاع رفع الرسوم الجمركية مؤقتا والسماح للمصانع باستيراد المشتقات النفطية أو شرائها بأسعار السوق العالمية، إضافة إلى التشدد في فحص المنتجات المستوردة واستبعاد الفاسد منها. إلا أن هذه التدابير تظل محدودة في ظل غياب العلاج الجذري. صناعة المقطورات تواجه صناعة مقطورات السيارات واقعاً تنظيمياً مختلاً يؤثر بشكل مباشر على قدرتها على الاستمرار، بحسب ما أكدت شركة أبناء نايف الخطيب للصناعة والتجارة، التي أعادت تشغيل مصنعها بعد تدميره في الرستن بريف حمص. وتتمثل المشكلة الأساسية في انتشار الورش التي تعمل خارج الإطار القانوني، غالباً على شكل ورش حدادة في الشوارع والطرق، تقوم بتأجير الكهرباء بشكل غير قانوني ومن دون تكاليف إنتاج حقيقية، وتشتري الفواتير من الورش المرخصة لتسجيل المقطورات الزراعية في مديريات النقل، متجاوزة القوانين والتعليمات الرسمية، ما يقوض المنافسة ويضعف الصناعة الرسمية. سيارة نقل الاسمنت. من صانعي شركة أبناء نايف الخطيب في حمص (شركة فيسبوك)، قدمت الشركة رؤية متكاملة لوزارة الاقتصاد والصناعة تتضمن إعادة تفعيل التعاميم المنظمة لتسجيل المقطورات المصنعة محلياً، واعتماد نظام ترميز “الباركود” المكون من 17 رقماً لكل “مقطورة”، بالإضافة إلى إعادة تصنيف المقطورات وتمييزها عن الزراعية، وتعديل التعليمات المنظمة لضمان شروط واضحة لكل نوع. ودعت إلى التأكد من الطاقات الإنتاجية وأعداد العاملين المسجلين بالتأمينات الاجتماعية، والتأكد من وجود المهندسين العاملين حسب الشروط، إضافة إلى تخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية، ومنع استيراد «المقطورات» المستعملة التي تجاوزت مدة صلاحيتها. كما شددت على ضرورة تشجيع الورش غير القانونية على التحول إلى مصانع مرخصة، مع إعادة دراسة التعليمات المنظمة للصناعة لمراعاة الفروق بين أنواع المقطورات ومتطلبات إنتاجها. في حين تكشف هذه البيانات عن خلل تنظيمي مستمر سمح بتوسع المخالفات، وأبقى المصانع المرخصة في وضع أضعف رغم التزامها بالقوانين. الإلكترونيات تعاني الصناعات الإلكترونية من تراجع سريع، إذ يؤكد المهندس رضوان حسن من معمل «جيماتكس» أن فتح باب الاستيراد «على نطاق واسع» حوّل الصناعة إلى نشاط تجاري وأخرجها من المنافسة. ويرتبط هذا التراجع بارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الخبرات وتراجع ثقة المستهلك بالمنتج الوطني، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على كفاءة الإنتاج والقدرة على الابتكار. بحسب نفس المصدر. مكبرات الصوت من إنتاج شركة جايامتكس في سوريا (إنترنت). ويؤكد حسن أن تداخل الأدوار بين التجارة والصناعة خلق بيئة غير متوازنة، داعيا إلى “فصل التجارة عن الصناعة” باعتباره “ضرورة استراتيجية”، في ظل اختلاف طبيعة كل منهما، بين الربح السريع والتخطيط طويل المدى. كما أكد ضرورة وجود خبرات صناعية في مراكز صنع القرار، محذراً من اتخاذ قرارات حاسمة من قبل جهات “تفتقر إلى المعرفة العميقة بالعملية الإنتاجية”. وتتجلى نتائج هذا الواقع بوضوح في تجربته الشخصية، حيث أدى إغلاق مصنعه الذي كان يضم «120 عاملاً» إلى التحول نحو النشاط التجاري بعامل واحد فقط مع تحقيق «الربح نفسه»، ما يعكس خللاً مباشراً في الحوافز الاقتصادية. كما يسلط الضوء على غياب أي سياسات فعالة لدعم الابتكار أو استعادة ثقة المستهلك، مما يسرع من تراجع هذا القطاع. الدهانات: في قطاع الدهانات، يبرز الخلل الجمركي كعامل حاسم في إضعاف الصناعة، بحسب ما أوضح الصناعي فتحي البرغلي. وفي صناعة «الألكيد» (الراتنجات)، تبلغ رسوم استيراد المادة الخام الأساسية (الزيت النباتي RBD) نحو 300 دولار للطن، في حين لا تتجاوز رسوم المنتج النهائي المستورد 75 دولاراً، ما يجعل الإنتاج المحلي أكثر تكلفة بشكل مباشر. ومن لقاء أصحاب مصانع الدهانات والكيد مع مستشار وزير الاقتصاد والصناعة (موقع أخبار الصناعة)، أدى هذا الاختلاف إلى عزوف المستهلك عن اختيار المنتج المحلي، واستحالة تصديره، رغم أن هذه الصناعة كانت قد حققت في السابق إيرادات بملايين الدولارات. وأشار البرغلي أيضاً إلى أن الدراسات قدمت منذ أكثر من عام إلى وزارة الاقتصاد والصناعة دون أي رد، ما أدى إلى توقف مصانع “الكيد” بشكل كامل. بحسب ما نقلته صحيفة “الثورة السورية”. وفي السياق نفسه، تتركز الصناعات المزدهرة في القطاعات الاستهلاكية المرتبطة بالسوق المحلية، مثل المواد الغذائية والمنظفات، في حين تتراجع الصناعات الاستراتيجية المرتبطة بالتصدير، وهو ما يعكس تحولا واضحا في بنية الاقتصاد. قتل الصناعة السورية. في المقابل، يحذر رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان من العودة إلى سياسات الإغلاق، ويدعو إلى دعم صناعة قادرة على المنافسة العالمية من خلال إلغاء الرسوم على مدخلات الإنتاج وخفض تكاليف الطاقة وتحسين بيئة النقل. وهو يقلل من حجم الأزمة، معتبراً أن الحديث عن توقف المصانع «مبالغ فيه». وهو موقف يتناقض بشكل مباشر مع الحقائق الميدانية وشهادات الصناعيين، ويكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب المعلن وواقع ما يحدث داخل القطاع. فيما يدعو اتحاد غرف الصناعة إلى تبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وإلغاء الرسوم على مدخلات الإنتاج، وخفض أسعار الطاقة، وتحسين وسائل النقل، كشروط أساسية لدعم الصناعة المحلية. وتكشف الحقائق عن مسار واضح لا لبس فيه: ارتفاع تكاليف الإنتاج، والتوسع في الواردات ذات الرسوم الجمركية المنخفضة، واستمرار الاختلالات التنظيمية، كل هذا يؤدي بشكل مباشر إلى انحدار الصناعة المحلية. ولا يقتصر هذا التراجع على انخفاض الإنتاج أو إغلاق المصانع، بل يمتد إلى إفراغ القطاع الصناعي من محتواه، مع انتقال فاعليه إلى نشاط تجاري أكثر ربحية وأقل خطورة. وبينما يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن دعم الصناعة، فإن السياسات المطبقة على أرض الواقع تؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا. وبالتالي فإن ما يحدث لم يعد لغزاً، ولا ما سنشهده مستقبلاً: حلقات جديدة من سياسة قتل الصناعة السورية لصالح الواردات.




