اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-10 11:34:00
سلام إسكيف لم يكن خبر منح «اللجوء الإنساني» خبراً عابراً، ومن ثم ما تم تداوله عن «الجنسية الروسية» لبشار الأسد ومن معه، ولم يكن تفصيلاً يمكن تناقله، ليس فقط بسبب مضمونه، بل بسبب ما يكشفه. لأن لحظة منح الحماية أو المواطنة أو حتى إعادة التوصيف ليست لحظة قانونية، بل هي لحظة يعاد فيها ترتيب العلاقة بين الجريمة والعالم. عندما ينتقل شخص يرتبط اسمه، في وعي وتجربة ملايين السوريين، بأشد أشكال العنف تطرفاً، من موقع يفترض أن يخضع فيه لمحاسبة محددة إلى موقع يتمتع فيه بالحماية الرسمية، فإن الأمر لم يعد يتعلق بالإجراء، بل بالمعنى الذي يحمله هذا الإجراء. في تلك اللحظة لم يعد السؤال سياسيا فحسب، بل أصبح أعمق بكثير: كيف يمكننا أن نفهم ما يحدث؟ فكيف يمكن للإنسان الذي عاش تجربة الفقد والاعتقال والتعذيب والموت والدمار أن يعيد ترتيب صورته عن العالم وهو يرى أن العلاقة التي من المفترض أن تربط بين الفعل ونتيجته قد انكسرت بهذه الطريقة؟ هذا الانكسار لا يظهر فورًا، ولا يترجم نفسه دائمًا إلى موقف واضح أو رد فعل عالٍ، لكنه يتراكم بصمت، ويبدأ في إعادة تشكيل الداخل. إن العدالة، في جوهرها، ليست مجرد مؤسسات أو قوانين، بل هي الإحساس الكامن بوجود بعض التوازن، حتى لو لم يكن مثاليا. وعندما ينتهك هذا التوازن بشكل علني، فإن الضرر لا يلحق بالنظام القانوني فحسب، بل ويتضرر أيضاً الإحساس العام بالمعنى. لأن ما يُفهم من ذلك ليس فقط أن العدالة غائبة، بل أن غيابها يمكن إعادة تعريفه بأنه عادي، أو حتى مقبول. ومن هنا يبدأ التعقيد الحقيقي. لأن ما يظهر كقرار سياسي أو قانوني يحمل في طياته أثراً نفسياً ومعنوياً عميقاً. وفيه يتحول الأمر من سؤال من يحاسب ومن لا يحاسب، إلى سؤال مدى قدرة الإنسان على الاستمرار في الاعتقاد بأن المحاسبة ممكنة على الإطلاق. وهذا التحول لا يحدث دفعة واحدة، بل يتشكل تدريجياً، من خلال تراكمات صغيرة، من خلال أخبار تبدو منفصلة، ولكنها في مجملها تعيد تشكيل الصورة الأكبر. في هذا السياق، يصبح الحديث عن «السياسة الواقعية» أكثر غموضاً. لأن الواقعية، كما تطرح غالباً، تقوم على التعامل مع الموجود، ومع موازين القوى، ومع الإمكانات المتاحة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتم اختزال الواقع في هذه العناصر فقط، ويتم تجاهل كل شيء آخر. لأن الواقع في الحالة السورية لا يتكون فقط من توازنات سياسية أو عسكرية، بل من تجارب معيشية، وذاكرة مفتوحة، وشعور دائم بالنقص. سوريا اليوم ليست حقيقة واحدة يمكن التقاطها بسهولة، بل هي طبقات متعددة من الحقائق، متداخلة ومتباينة. هناك من بقي، وهناك من رحل، وهناك من خسر، وهناك من يحاول الاستمرار. وكل حالة من هذه الحالات تحمل تصوراً مختلفاً لما حدث وما يمكن أن يحدث. وتجاهل هذا التعدد لا يؤدي إلى تبسيط الواقع، بل إلى تشويهه. وهنا تظهر معركة أخرى، أقل وضوحا ولكنها أكثر عمقا: معركة الوعي. ليس الوعي السياسي بالمعنى الضيق، بل الوعي بالمعنى الأوسع، الذي يتعلق بكيفية فهم ما حدث، وكيفية وضعه في إطار مقبول. لأن ما لا يمكن فهمه لا يختفي، بل يبقى كتوتر، كشيء لم يتم حله، ويظهر من جديد بأشكال مختلفة. وفي هذا السياق، لا يبدو التطرف حالة مفاجئة أو معزولة، بل هو أحد النتائج المحتملة لهذا التوتر. عندما يشعر الإنسان أن العدالة مفقودة، أو أن معناها قد أفرغ، يبدأ بالبحث عن البدائل. أحياناً تكون هذه البدائل في اتجاه الانتقام، وأحياناً في اتجاه الانسحاب الكامل، وأحياناً في أشكال أكثر تعقيداً تجمع بين الاثنين. وفي كل الأحوال، نحن أمام محاولات لإعادة التوازن، وإن كانت هذه المحاولات تحمل في طياتها خللاً جديداً. وهذا ما يجعل التعامل مع القضية من الزاوية الأمنية فقط، أو من خلال الأدوات السياسية التقليدية، غير كاف، لأن ما يحدث أعمق من أن يمكن اختزاله في سلوك يمكن السيطرة عليه، أو موقف يمكن تغييره. نحن أمام بنية كاملة من المعاني، تخضع لإعادة تشكيل مستمرة، في ظل غياب إطار واضح يستوعبها. في هذا السياق، تصبح العدالة الانتقالية فكرة معلقة بين مستويين: مستوى نظري يبدو متماسكا، ومستوى واقعيا يفتقر إلى الشروط التي تجعله قابلا للتحقيق. لأن التحول، في جوهره، يتطلب الاعتراف والمساءلة وإعادة بناء الثقة. لكن كيف يمكن الحديث عن إعادة البناء في ظل استمرار الأسباب التي أدت إلى الانهيار؟ كيف يمكننا أن نتحدث عن الثقة في بيئة يتم فيها إعادة إنتاج الرسائل التي تقوضها؟ وهذا التناقض لا يعطل المسار فحسب، بل يزيده تعقيدا أيضا. لأن كل محاولة للتقدم دون معالجة هذه الأسئلة تضيف طبقة جديدة من الارتباك. وبمرور الوقت، يصبح السؤال ليس فقط كيفية تحقيق العدالة، بل ما إذا كان من الممكن تصورها على الإطلاق. وهنا تتشابك كافة المستويات النفسية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية. ليس بشكل منفصل، بل كشبكة واحدة، يؤثر كل عنصر فيها على الآخر. وأي خلل في أحدهما يؤثر على الباقي. وأي محاولة لمعالجة جانب واحد بمعزل عن الجانب الآخر سيكون لها تأثير محدود. في النهاية، ما يواجهه السوريون اليوم ليس مجرد واقع سياسي معقد، بل هو تحدٍ يتعلق بالمعنى نفسه. كيف يمكن الحفاظ على فكرة العدالة، في عالم يبدو أنه يعيد تعريفها؟ فكيف يمكن أن نستمر في الإيمان بقدرة المحاسب في ظل واقع يشير إلى عكس ذلك؟ هذه الأسئلة ليس لها إجابات جاهزة، لكنها تبقى حاضرة، لأنها مرتبطة بشيء أساسي وهو القدرة على الاستمرار. وقد تنجح السياسات في فرض مسارات معينة، وقد تتمكن من خلق أشكال من الاستقرار الظاهري، لكنها لا تستطيع التحكم في كيفية فهم الناس لما يحدث. وهذا الفهم، بكل تعقيداته، هو الذي سيحدد في النهاية شكل المستقبل. لأن ما لا يُفهم، وما لا يُواجه، لا ينتهي، بل يستمر، بأشكال مختلفة، في إعادة إنتاج نفسه. وبهذا المعنى، فإن العدالة ليست مجرد مسار قانوني من المفترض أن يبدأ في لحظة معينة، بل تصبح عملية مستمرة، مرتبطة بالوعي والقدرة على مواجهة ما حدث دون إنكاره أو تبسيطه. ربما تكون هذه المعركة هي الأصعب لأنها لا تُخاض في الخارج فحسب، بل في الداخل أيضًا! ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى



