اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-22 10:21:00
الدكتور الوليد آدم ماديبو عندما كتب المحلل السياسي أزهري أبو اليسر عبارته الصادمة “سنكشف لكم البدلة” لم يكن يروي نكتة سودانية قاتمة، بل كان يلخص مأساة بلد أدار منذ الاستقلال بمنطق الارتجال، حتى وصل إلى حافة الزوال. وإذا كان ما نقله عن توجه الولايات المتحدة للتدخل بموجب الفصل السابع للأمم المتحدة صحيحاً، فإننا لسنا أمام حدث عابر، بل أمام لحظة مفصلية طال انتظارها… وربما تأخرت أكثر مما يستطيع السودان أن يتحمله. منذ الاستقلال عام 1956، ظهرت الدولة السودانية على عجل، دون استكمال بنيتها المؤسسية أو تعزيز تقاليدها الإدارية. ولم يكن هناك مشروع وطني متكامل بقدر ما كانت هناك سلطة تتداولها نخب ضيقة الأفق غير قادرة على فهم تعقيدات بلد متعدد الأعراق والثقافات. ومع مرور الوقت، لم تتم معالجة هذه الهشاشة، بل تراكمت فوقها طبقات من الفشل، حتى وصلت الحركة الإسلامية إلى تقويض ما تبقى من مؤسسات الدولة عبر مشروع «التمكين»، فأتى الولاء التنظيمي على الأولوية على الكفاءة، وتحولت الدولة إلى أداة في يد شبكة مغلقة. واليوم لا يواجه السودان أزمة حكم فحسب، بل يواجه انهياراً شاملاً في المعنى: الافتقار إلى الرؤية، وتآكل الأخلاق العامة، والافتقار إلى السيطرة السياسية أو الاجتماعية. النخب تستفيد من الحرب، وتستثمر في معاناة الناس، والساحة السياسية تكاد تخلو من رجال الدولة بالمعنى الحقيقي. إن بلداً بهذه المساحة والتنوع يحتاج إلى قيادة مؤهلة ورؤية استراتيجية، لكنه يجد نفسه أسيرا للصراعات الضيقة والأجندات القصيرة النظر. وفي مثل هذا الواقع يصبح الحديث عن «الحل الداخلي المحض» أقرب إلى الوهم. لذلك، فإن وضع السودان تحت الفصل السابع – بقيادة قوة مقتدرة مثل الولايات المتحدة – لا ينبغي أن يُفهم على أنه اعتداء، بل على أنه إجراء إنقاذ يفرض الحد الأدنى من النظام في فضاء يتجه نحو الفوضى الشاملة. فالميليشيات المتنافسة، والطموحات الإقليمية، والشبكات الإيديولوجية العابرة للحدود، كلها عوامل تجعل السودان مرشحا لأن يصبح بؤرة ساخنة تهدد الأمن الإقليمي، من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر. وحذر مفكرون سودانيون، مثل النور حمد، من أن استمرار بنية السلطة الحالية يفتح الباب أمام اختراقات إقليمية خطيرة من شأنها إفراغ الدولة من محتواها وإعادة توظيفها في صراعات لا خيار للسودانيين فيها سوى ذلك. كما أن ما أثير حول احتمالات توسيع النفوذ الإيراني في البلاد، وفق إشارات أطلقها مسعد بولس، يكشف مدى الانزلاق نحو محاور إقليمية تهدد ما تبقى من تماسك الدولة. لكن التدخل، إذا لم يتحول إلى مشروع إعادة البناء، سيبقى مجرد إدارة مؤقتة للأزمة. المطلوب هو وصاية انتقالية محددة بوضوح – تمتد لسنوات كافية – يتم خلالها إعادة بناء الدستور، وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية على أسس مهنية، ومعالجة جذور أزمة الهوية التي تمت إدارتها من خلال الإنكار بدلاً من المواجهة. وهذه ليست دعوة لمصادرة الإرادة الوطنية، بل لإعادة تأهيلها. وليس في هذا الاقتراح ما يتناقض مع دروس التاريخ. لقد أثبتت تجارب ما بعد الحرب العالمية الثانية في اليابان وألمانيا أن التدخل الخارجي، عندما يقترن بإرادة داخلية صادقة، من الممكن أن يصبح نقطة انطلاق نحو نهضة مستدامة. بينما فشلت تجارب أخرى لأن النخب المحلية تعاملت معها على أنها فرصة للغنائم، وليس كمسؤولية تاريخية. وفي هذا السياق، فإن إعادة بناء الدولة يجب أن تتم من خلال شراكة دولية جديدة، تصاغ وفق شروط موضوعية، وتستفيد من التحولات الجارية في المنطقة، على أن يتم استبعاد القوى التي ساهمت في تأجيج الصراع أو استثمرت في استدامته من هذه المعادلة. إن إعادة الإعمار، في جوهرها، ليست مجرد عملية فنية، بل هي إعادة تموضع استراتيجي لا يتسامح مع الرضا عن النفس. ويبقى ملف العدالة هو الاختبار الأهم. ولا يمكن ترك جرائم الحرب والانتهاكات واسعة النطاق للمؤسسات الوطنية المنهكة أو المعرضة للخطر. ويجب أن تكون هناك آليات دولية مستقلة تضمن العدالة للضحايا وتحاسب المسؤولين. وإلا فإن أي سلام سيكون مجرد هدنة مؤقتة فوق رماد لم يبرد بعد. وفي الختام، فإن السودان اليوم لا يواجه مفترق طرق تقليدي، بل يواجه خطاً فاصلاً بين الوجود والعدم. كل الوصفات الداخلية التي تمت تجربتها – المستوطنات والمبادرات والمؤتمرات – انتهت إلى إعادة إنتاج الأزمة بطريقة أكثر عنفاً وتشرذماً. ولم يعد الانهيار احتمالا مستقبليا، بل أصبح واقعا قائما يتعمق يوما بعد يوم، ويفرغ الدولة من معناها وقدرتها ووظيفتها. ولذلك فإن وضع السودان تحت الفصل السابع للأمم المتحدة لم يعد خياراً مثالياً مقارنة بالبدائل الأفضل، بل أصبح ضرورة تاريخية مقارنة بكارثة الاختفاء التام. وهو الحد الأدنى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: كبح الفوضى، وتفكيك بنيات العنف، وإعادة بناء الدولة، وفتح أفق جديد للأجيال القادمة. وأي شيء أقل من ذلك ليس دفاعاً عن السيادة، بل تواطؤ غير مباشر في الانهيار المستمر. إنها لحظة قاسية، نعم، لكن القسوة أسهل من الإبادة. 22 أبريل 2026 auwaab@gmail.com




