اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-26 12:00:00
ورغم دخول الهدنة حيز التنفيذ في لبنان، إلا أن الوقائع الميدانية لا تعكس انتقالاً فعلياً إلى مرحلة الاستقرار. ما يحدث في القرى الجنوبية يتجاوز كونه خرقاً فنياً لاتفاق وقف إطلاق النار، ويأخذ شكل ممارسة ممنهجة تعيد تعريف الحرب بأنها صراع على المعنى، فضلاً عن كونها حرباً على الجغرافيا. وعلى هذا المستوى تتحول العمليات العسكرية من أدوات السيطرة الميدانية إلى أدوات لإنتاج معاني جديدة، يتم من خلالها إعادة صياغة علاقة الإنسان بالمكان. وفي البعد السيميائي، لا يمكن قراءة تدمير المنازل على أنه عمل هندسي أو عسكري فقط. الوطن في الوعي المحلي هو مركز الثقل الوجودي: حيث تتراكم الذاكرة، وتتشكل الهوية العائلية، ويتم بناء استمرارية الحياة. واستهدافه بشكل ممنهج يعني تفكيك هذا الثقل، وإعادة تعريف فكرة الأمن من الحالة الثابتة إلى الحالة المشروطة. عندما يتم تفجير منزل، لا يتم تدمير الجدار أو السقف فحسب، بل يتم أيضًا تدمير الشعور بالاستقرار كقيمة قابلة للتحقيق. لكن المشهد لا يتوقف عند المنازل. إن استهداف المدارس يفتح بعداً سيميائياً تكميلياً، إذ يمس أحد أهم رموز الاستمرارية الاجتماعية. تمثل المدرسة الزمن الممتد، والرابط بين جيل وآخر، وإطار إنتاج المعنى والمعرفة. وتدميرها يعطل هذا الامتداد، ويضع المستقبل في حالة تعليق. وهكذا يصبح الاستهداف موزعاً على خط زمني كامل: الماضي من خلال المنازل، والمستقبل من خلال المدارس، والحاضر من خلال إفراغ المجال العام من مكوناته. ويمتد هذا النمط إلى عناصر أخرى في البنية الرمزية للقرية. فاستهداف دور العبادة، على سبيل المثال، لا يُقرأ في سياق الأضرار الجانبية فحسب، بل يحمل دلالة تتعلق بضرب الفضاء الروحي والجماعي. فالمسجد أو الكنيسة في القرى ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو مركز للتجمع الاجتماعي وحاضنة للهوية الجماعية. ومن شأن إيذاءهم أن يوجه ضربة مباشرة لفكرة الجماعة نفسها، ويعيد صياغة العلاقة بين الفرد وبيئته الاجتماعية. وينطبق الشيء نفسه على تدمير الطرق والبنية التحتية. والطريق ببعده السيميائي ليس مجرد وسيلة مواصلات، بل يمثل التواصل والاستمرارية وربط القرية بمحيطها. عندما تنقطع الطرق أو تجرف، يصبح المكان فضاءً معزولاً، وتنقطع شبكة العلاقات التي تمنحه الحياة. وبالمثل، فإن تدمير شبكات المياه والكهرباء لا يهدف فقط إلى تعطيل الخدمات، بل إلى إعادة تعريف الحياة اليومية باعتبارها حالة غير مستقرة وغير مستدامة. وحتى الحقول الزراعية التي تشكل امتداداً عضوياً لحياة السكان، تدخل ضمن هذا السياق. فالأرض المزروعة ليست مجرد مصدر للعيش، بل هي تعبير عن علاقة تاريخية بين الإنسان وأرضه. وتجريفها أو حرقها يحمل معنى تفكيك هذا الارتباط، وتحويل الأرض من مساحة إنتاجية إلى مساحة قاحلة، تفقد معناها الحيوي. وفي هذا السياق، تتشكل بنية متكاملة للحرب المعرفية، تستهدف منظومة الرموز التي يقوم عليها المجتمع المحلي. كل عنصر من عناصر الحياة اليومية يتحول إلى هدف: البيت، المدرسة، مكان العبادة، الطريق، الميدان، وحتى الساحات العامة التي تشكل فضاء التفاعل الاجتماعي. ولا يقتصر الهدف على السيطرة، بل نحو إعادة برمجة الإدراك الجمعي، بحيث يصبح المكان مرتبطاً بالخطر بدلاً من الأمان، وبالانقطاع بدلاً من الاستمرارية. وتندرج هذه الممارسات ضمن مفهوم أوسع في الأدبيات العسكرية يُعرف بـ”السيطرة على الإدراك”، حيث يتم إنتاج واقع نفسي موازٍ للواقع الميداني. في هذا الواقع، الخوف ليس نتيجة القصف فقط، بل هو نتيجة المعنى الراسخ: أن لا شيء ثابت، وأن كل ما يمثل الحياة اليومية يمكن أن يتحول إلى هدف في أي لحظة. وتتكامل هذه العمليات مع سياسات منع العودة أو التحذير منها، مما يساهم في خلق ما يمكن وصفه بـ”الفراغ المثمر”. الفراغ هنا ليس نتيجة عرضية، بل نتيجة مقصودة، تستخدم لإعادة تشكيل الخريطة الديمغرافية والنفسية في الوقت نفسه. وبمرور الوقت، يصبح الغياب أمراً طبيعياً، وتفقد القرية وظيفتها كمساحة للعيش المستقر. وما يجعل هذا النمط خطيراً هو طبيعته الهادئة نسبياً مقارنة بالحروب التقليدية. لا توجد معارك واسعة النطاق، ولا صور لاشتباكات عنيفة، بل سلسلة من الأعمال المتقطعة، ذات تأثير عميق. إنها حرب على الرموز قبل أن تكون حرب على المواقع، وعلى المعنى قبل أن تكون على الفضاء. بين هدنة إعلان وقف إطلاق النار، وميدان لا يزال ينتج آثار الحرب بمختلف الوسائل، تتكشف معادلة جديدة: الصراع لم يعد يقتصر على السيطرة على الأرض، بل أصبح معركة على تعريفها. وهنا لا يقاس التأثير بعدد الأبنية المدمرة فحسب، بل بمدى القدرة على تفكيك علاقة الإنسان بمكانه، وتحويل الانتماء إلى حالة هشة مؤقتة، عرضة للتآكل مع مرور الوقت.




