اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-29 01:28:00
لم يعد اختزال الشخص يقتصر على اتهامات جاهزة من نوع “ملحد” أو “مهرطق”، بل يأخذ أحيانًا شكلًا أكثر قبولًا اجتماعيًا: النسب. وفي الحالتين، نحن أمام الفعل نفسه ولكن بشكل مختلف: محاولة تعريف الإنسان بشكل نهائي، سواء من خلال القاعدة الأيديولوجية أو من خلال الأصل العائلي. النسب، في جوهره، ليس مشكلة. بل هي من أعمق مصادر المعنى عند الإنسان. يمنحه شعورًا بالامتداد والانتماء والاستقرار في عالم متغير. لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تترك مكانها الطبيعي كجذر وترتفع لتصبح سقفاً. ثم لم يعد النسب تعريفا جزئيا، بل تحول إلى حكم كامل: هذا “أصيل”، وهذا “دخيل”، وهذا “ثقة”، وهذا “مشكوك فيه”. وبهذا المعنى فإن من يقلل إنساناً في نسبه لا يختلف كثيراً عن من يقلله في اتهام. كلاهما يمارس ما يمكن تسميته بالعنف الرمزي، كما أشار بيير بورديو، وهو العنف الذي لا يستثني الجسد، بل المعنى. فالإنسان لا يُلغى فعلياً، بل تُلغى إمكاناته، ويقع في فخ تعريف واحد. والمفارقة هي أن هذا التخفيض يعطي إحساسًا زائفًا بالفهم. وعندما نقول: هذا من عائلة كذا، أو: هذا عنده فكرة كذا، نشعر أننا قد أدركنا حقيقته. لكن في الواقع، حدث العكس تمامًا: توقفنا عن فهم ذلك. التصنيف السريع ليس معرفة، بل هو بديل مناسب للمعرفة. في عالم اليوم، لم يعد الأصل وحده هو الذي يحدد موقف الشخص. إننا نعيش في نظام عالمي تقاس فيه القيمة -نظريا على الأقل- بما يحققه الفرد، وليس بما ولد به. وهذا التحول قريب مما وصفه ماكس فيبر بالترشيد، حيث تتراجع الامتيازات الموروثة لصالح الكفاءة. إلا أن النسب لا يزال حاضرا بقوة في البنية الاجتماعية، خاصة في المجتمعات التي لم تقرر بعد انتقالها الكامل نحو الفردية. وهنا تبرز المفارقة: يعيش الإنسان المعاصر بين معيارين متوازيين: يقول له أحدهما: “أنت ما تصنعه”، ويهمس الآخر في الخلفية: “أنت ما خلقت لتكونه”. بين هذين الصوتين، يتشكل توتر خفي ينعكس في الطريقة التي يقيم بها الناس بعضهم البعض. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الأنساب، ولا في وجود التصنيف، بل في تحولها إلى أدوات إغلاق. وعندما يصبح الأصل حكما نهائيا، أو تصبح التسمية نهاية الفهم، فإننا لا نحدد الإنسان، بل نحده. نعطيها شكلا ثابتا، ونحرمها من إمكانيتها. إن الفهم، كما يقترب منه هانز جورج جادامير، ليس نتيجة نصل إليها، بل هو عملية لا تنتهي أبدا. وكل محاولة لإعلان نهايته – سواء من خلال الاتهام أو النسب – هي انسحاب سابق لأوانه من هذا الجهد الإنساني المعقد. وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن النسب أو رفضه، ولا بقبول التصنيفات أو إنكارها، بل بإعادتها إلى حجمها الطبيعي: علامات لا أحكام، بدايات فهم لا نهايات. الإنسان ليس ماضيه فقط، ولا اسمه، ولا فكرته الظاهرة. فهو، قبل كل شيء، ما لم نفهمه بعد.[email protected]@A_AzizAlkhater



