سوريا – بعيدًا عن تفاهة الشر…القتل كعمل يومي

اخبار سوريامنذ ساعتينآخر تحديث :
سوريا – بعيدًا عن تفاهة الشر…القتل كعمل يومي

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-03 16:11:00

كان أحمد عسيلي أسبوعاً صعباً بالنسبة للسوريين، حيث عادت كل الصدمات النفسية إلى السطح دفعة واحدة. بدأ الأمر بخبر اعتقال أمجد يوسف، جزار التضامن، لتعود تلك المجزرة إلى أعين السوريين والعالم. وكانت الصدمة أيضاً في ظهوره الهادئ على الشاشة، وهو يتحدث عن عملية القتل وكأنه يسترجع ذكرى عابرة عادية جداً. وفي ذروة هذه البلبلة، ظهرت فجأة حسابات مجهولة المصدر على “فيسبوك”، ونشرت عشرات مقاطع التعذيب في أماكن مختلفة من زمن حقبة الأسد المظلمة، لا سيما مشفى “تشرين” العسكري سيء الصيت. وسنتوقف هنا عند سؤالين انشغل بهما الناس، وكانا موضع نقاش كثير، بين المختصين وغير المتخصصين. الأول يتعلق بالمجرم وتكوينه النفسي، وسبب هذا الهدوء والتماسك الذي ظهر عليه. أما السؤال الثاني والأهم فيتعلق بتأثير هذه المقاطع على الحالة النفسية للمشاهد، ومدى فائدتها أو خطورتها في مرحلتنا الحالية. أولاً، في محاولة لفهم شخصية هذا الجلاد، يجب أن ندرك أننا لسنا أمام ظاهرة جديدة تماماً هنا. وقد وصفت حنة أرندت هذا النمط في كتابها «أيخمان في القدس»، عندما تحدثت عن «تفاهة الشر». الشر هنا لا ينشأ من وحشية استثنائية، بل من سطحية مزعجة، من إنسان عادي يمارس العنف كوظيفة. وتلعب اللغة دورا حاسما في هذا السياق، حيث تتم إعادة صياغة الفعل ليبدو كإجراء إداري خالي من أي عبء أخلاقي. يصبح القتل «تنفيذ أوامر»، وتصبح الجريمة مهمة. لكن الملفت في حالة هذا المجرم أنه تجاوز حتى هذا المستوى من التبرير. ولم يحاول اللجوء إلى خطابات القادة الأعلى (كما فعل بعض أفراد عائلته على سبيل المثال)، بل تحدث عن المذبحة باعتبارها عملاً لا يستحق التفسير على الإطلاق. المفارقة الصادمة التي أشار إليها البعض هي كلمة «العفو» التي قالها عندما أخطأ في ذكر موعد الدورة التدريبية، لكنه لم يبد أي شعور بضرورة الاعتذار (أو حتى كلمة «العفو») عن مقتل عشرات الأشخاص، وكأن القتل لا يحتاج حتى إلى التعليق. وهنا نواجه مستوى أعمق من «تفاهة الشر»، حيث لم يعد الفعل بحاجة إلى تبرير، ولم يعد مرتكب الجريمة يرى نفسه مطالبًا بأي محاسبة. إنها حالة من تبدد الشخصية، حيث يذوب الفرد تمامًا داخل النظام. فالجلاد لا يشعر بأنه كيان معنوي مستقل، بل مجرد امتداد لجهاز أكبر: «الأمن يقتل، أنا عنصر أمني فأقتل». في هذه البنية، يتم إعادة تعريف الواقع بحيث يصبح العنف جزءًا من النظام الطبيعي للأشياء. وعندما تحدث قال إنه قتل “نحو” 40 شخصا. ولا يهمه ولا المؤسسة التي يعمل بها سواء كان العدد 38 أو 45. فالموضوع لا يستحق عناء الحفظ. كما أنه لا يعرف التهم الموجهة إليهم، وربما مجرد تقرير كيدى. وهو لا يتذكر حتى أسماء ضحاياه، لذلك استخدم كلمة فلان. فالمجرم هنا يجسد تماما عقلية المؤسسة التي يعمل فيها، اندماجا كاملا، ليصبح جزءا من كل، في سلوكه وحياته. وهذه “الحالة الطبيعية” ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي جوهر المشكلة. ولا يكمن الخطر في وجود أفراد استثنائيين يمارسون الشر، بل في قدرة الإنسان العادي على الانخراط فيه عندما يعاد تشكيل المعايير الأخلاقية داخل نظام مغلق. الجلاد لا يواجه صراعا داخليا. إنه جزء من آلة أكبر تعمل وفق منطقها. فلنخرج من هذا التفاهة بسرعة، ونبدأ بسؤالنا الثاني وهو الأهم، عن تلك المقاطع ومشاهدتها. وحذر عدد من المختصين النفسيين من ضرورة تجنب تلك المشاهد العنيفة. ومن يشاهدهم في هذه الحالة لا يبقى خارج الحدث، بل ينخرط فيه نفسيا، يشعر بالخوف والغضب والعجز وكأنه حاضر في المشهد. أظهرت العديد من الدراسات، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، أن التعرض المكثف لصور العنف يمكن أن يؤدي إلى أعراض قريبة من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، حتى بالنسبة لأولئك الذين لم يعيشوا الحدث بشكل مباشر. ولا تقف المشكلة عند حدود الصدمة، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى إطلاق انفعالاته، لكن المشاهد هنا غير قادر على التصرف. لا يستطيع التدخل، ولا يستطيع تغيير ما يراه، أو حتى الابتعاد بسهولة. وهذا العجز يحول الشحنة العاطفية من الغضب والحزن إلى طاقة غير متحررة ترتد إلى الداخل، وهنا تبدأ الأعراض: القلق والتوتر واضطرابات النوم، وأحيانا المظاهر الجسدية مثل ارتفاع ضغط الدم أو اضطراب في ضربات القلب. المفارقة المؤلمة هي أن العنف يمارسه طرف دون الشعور بالذنب، بينما يعيشه طرف آخر بكل ثقله النفسي. فالجلاد يفرغ الفعل من معناه، بينما يعيده المشاهد إلى مستوياته القصوى. فالأول يتحرك ضمن منطق “الوظيفة” والاندماج ضمن نظام أكبر، والأخير منغمس في تجربة العاطفة. وفي الختام، ما حدث لا يمكن التعامل معه على أنه حدث عابر. نحن أمام إعادة تنشيط لذاكرة الصدمة الجماعية التي لم تتم معالجتها في المقام الأول. الصور لا تنقل الماضي فحسب، بل تعيد إنتاجه نفسيا في الحاضر، محملا بشحنة إضافية من العجز والغضب. وهذا ما يجعل الحاجة ملحة، ليس فقط إلى العدالة، بل أيضاً إلى عمل نفسي عميق يعيد المعنى ويحمي ما تبقى من التوازن الداخلي، قبل أن تتحول هذه الصدمة إلى حالة مزمنة. ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى

سوريا عاجل

بعيدًا عن تفاهة الشر…القتل كعمل يومي

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#بعيدا #عن #تفاهة #الشر…القتل #كعمل #يومي

المصدر – عنب بلدي