تونس – المدارس العمومية في تونس: أسطورة التفوق وواقع التفاوت

اخبار تونسمنذ ساعتينآخر تحديث :
تونس – المدارس العمومية في تونس: أسطورة التفوق وواقع التفاوت

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-04 10:06:00

مع اقتراب نهاية كل موسم دراسي، تتحول البيوت التونسية إلى مراكز أزمات: دروس خصوصية، وإقامات طويلة، وقلق عائلي متصاعد. الامتحانات الوطنية على الأبواب والضغط في ذروته. يتكرر المشهد في كل الاتجاهات، لكن التكرار الوحيد هو الشكل. أما الحظوظ فتختلف بشكل كبير من عائلة إلى أخرى، ومن حزب إلى آخر. عبد الوهاب بن موسى * المعهد النموذجي امتياز أم وهم؟ منذ ثمانينيات القرن الماضي، بنت تونس رهانها التعليمي على مبدأ واضح: جمع النخبة في مؤسسات متميزة، وتوفير أفضل الظروف لهم، لإنتاج كفاءات قادرة على المساهمة في بناء الدولة. وكانت المعاهد النموذجية والمدارس الإعدادية هي الترجمة العملية لهذا الرهان. ومن باب الإنصاف، فقد أنتج هذا النموذج أجيالًا من الأطباء والمهندسين وأباطرة الأعمال. لكن بعد مرور أربعة عقود على بدء التجربة، لا بد من طرح السؤال دون مجاملة: من المستفيد الحقيقي من هذا النظام؟ الطالب القادم من عائلة ميسورة الحال في العاصمة أو صفاقس لا يصل إلى مناظرة القبول بمفرده – بل يصل مع سنوات من الدعم الشخصي والمتابعة العائلية المكثفة. أما الطالب القادم من القصرين أو تطاوين أو الكاف، فلا يملك إلا ما قدمته له مدرسته العمومية: اكتظاظ، ونقص في الإمكانيات، وأحيانا دون معلمين مستقرين. النقاش هو نفسه، لكن نقطة البداية ليست كذلك. وفي هذا السياق يبدو الحديث عن تكافؤ الفرص أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع. عندما تتراجع المعايير بصمت، هناك حقيقة يعلمها المختصون والعديد من المعلمين وأولياء الأمور، ولكن من الصعب أن نعلنها في الخطاب الرسمي: لقد انخفضت عتبات القبول في المؤسسات النموذجية. يتم قبول الطلاب اليوم بمعدلات كانت تعتبر في السابق دون المستوى المطلوب. والتفسير ذو شقين: من ناحية، الضغط الإداري لملء الفصول الدراسية؛ ومن ناحية أخرى، هناك إرادة سياسية معلنة لتحقيق التوازن الإقليمي وفتح أبواب التميز أمام السلطات الداخلية. والنية في حد ذاتها محمودة. لكن الأداة خاطئة. إن خفض معايير الاختيار بدلاً من رفع مستوى الإعداد في المدارس العادية لا يؤدي إلى تعميم التفوق، بل إنه يضعفه. والنتيجة الموثقة على أرض الواقع، بشهادة الأساتذة العاملين في هذه المؤسسات، أن الفصول الدراسية أصبحت مختلفة في المستوى بشكل ملحوظ. إذا لم يعد النموذج يعني ما كان يعنيه، فلماذا نحافظ على نظام مزدوج يقسم أطفالنا مؤسسيًا إلى فئتين؟ الخسارة الأكبر: ما يحدث خارج النموذج. إن التأثير الأشد ضرراً لهذا النظام لا يحدث داخل المؤسسات النموذجية، بل يحدث في المدرسة العادية، التي تُستنفد بصمت. إن إخراج الطلاب المتفوقين من المدارس الرسمية يعني سلب محركاتها الداخلية. الطالب المتميز الذي يثير المنافسة الإيجابية، ويرفع التوقعات داخل القسم، ويدفع زملائه لبذل المزيد من الجهد، يغيب عن المدرسة النظامية، لأن النظام قرر نقله إلى مكان آخر. النتيجة: مؤسستان تعملان تحت سقف واحد تسمى المدرسة العمومية التونسية. الأول يحمل عنوان التميز، لكنه فقد جزءاً من جوهره. والثاني، العمل في ظروف التدهور المتراكم، دون مشروع تربوي طموح، وإمكانيات كافية، وأفق واضح. وهذه الازدواجية لا يعلن عنها أحد. لكن الجميع يعرف ذلك. المجلس الأعلى للتعليم: النافذة الأخيرة إن إنشاء المجلس الأعلى للتعليم قرار مرحب به، لكن قيمته ستحدد بمخرجاته، وليس ببنيته. مؤسسة إضافية تنتج التقارير التي تودع في الأدراج ليست حلا، بل هي عبء آخر على الميزانية. الرهان الحقيقي هو أن نطرح السؤال الذي ظل الجميع يتجنبونه لعقود من الزمن: هل نريد مدرسة للنخبة أم مدرسة للجميع؟ الجواب العقلاني ليس الاختيار بين الطرفين، بل التغلب على هذه الازدواجية الزائفة. ومن الممكن تحويل المؤسسات النموذجية إلى مختبرات تربوية تعود نتائجها بالنفع على النظام بأكمله، وليس على مجموعة واحدة فقط. إن معايير الاختيار في حد ذاتها تتطلب الآن مراجعة جذرية: فمناظرة واحدة في سن مبكرة لا تكفي لتحديد مسار الطفل، وتثبت تجارب البلدان الناجحة أن التميز يمكن اكتشافه وتطويره من خلال آليات أكثر عدالة ودقة. المدرسة هي قضية دولة، وليست تفصيلا إداريا. الحديث عن المدرسة في تونس ليس مسألة فنية بالنسبة للمربين. إنها مسألة مجتمعية تمس كل أسرة، في كل منطقة، وعلى كل مستوى اجتماعي. لأن المدرسة هي المكان الأول الذي يكتشف فيه الطفل التونسي هل تعامل الدولة أطفالها على قدم المساواة أم لا. وتواجه تونس اليوم خياراً لا يمكن تأجيله أكثر من ذلك: فإما مدرسة تعمل على إدامة التفاوت الاجتماعي وتعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل، أو مدرسة تترجم فعلياً ذلك الوعد القديم الذي قطعته الدولة على نفسها للمواطن منذ الاستقلال ـ وهو أن التعليم سيكون الجسر الأكيد نحو تكافؤ الفرص، بغض النظر عن الحزب أو الوزارة أو المسمى الوظيفي. ولن تتاح للمجلس الأعلى للتعليم فرصة ثانية لاغتنام هذه اللحظة. * مهندس معلومات . للإشارة: تم استخدام أداة الذكاء الاصطناعي في مرحلة الصياغة وتبقى الأفكار والمواقف للكاتب.