اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-09 22:00:00
ما يحدث في الجنوب لم يعد يحتاج إلى أوصاف كبيرة حتى يكون مأساوياً؛ المشهد وحده يكفي يتم استهداف القرى واحدة تلو الأخرى، وتمحى المنازل من خرائط أصحابها، وتتحول الطرق إلى أفخاخ، وتعيش العائلات في ظل هدنة لا تشبه إلا هدنة بالاسم. من السكسكية إلى كفر رمان والنبطية وجبشيت والسعديات، يتقدم الموت في نشرات الأخبار أسرع من أي موقف رسمي، فيما لا يطالب الأهالي هناك بأكثر من حقهم البديهي في البقاء. ليست المأساة في حجم الدمار وحده، بل في اعتياد العالم عليه، والحقيقة أن الجنوب يترك كل يوم يواجه نفس السؤال: كيف أصبح قتل المدنيين خبراً عادياً، وكيف أصبح الصمت أوسع من النار؟ متى أصبح الجنوب هدفاً مفتوحاً؟ متى أصبح قتل الأطفال أمرًا طبيعيًا؟ متى أصبح استهداف المنازل خبرا عابرا؟ متى أصبحت الدراجة النارية تهمة؟ متى أصبح المزارع على أرضه هدفا؟ متى أصبحت المدرسة والكنيسة والمسجد جزءاً من بنك الأهداف؟ متى أصبح الجنوب بأكمله ساحة مباحة؟ متى قرر العالم أن الهدنة لا تعني إلا أن اللبنانيين سيموتون بهدوء؟ ما حدث اليوم في الجنوب لا يمكن وضعه في خانة «الانتهاكات» العادية. هذه ليست ضربة هنا ومداهمة هناك. نحن أمام يوم دموي كامل بدأ منذ ساعات الصباح وامتد من القرى الحدودية إلى النبطية والساحل والشوف. ولم يقتصر العدو الإسرائيلي على استهداف نقاط محددة، بل ذهب إلى ضرب كل تحركات تقريباً داخل المناطق التي سبق أن حذرها أو تعرضها لإطلاق النار. وكأن المطلوب ليس فقط قتل كل من يتحرك، بل فرض قاعدة جديدة على الناس: ابقوا في بيوتكم، وإذا خرجتم فأنتم مستهدفون. وفي النبطية، تم استهداف رجل وابنته على دراجة نارية. وفي جبشيت، تم استهداف رجل كان يروي محاصيله. وفي مناطق أخرى، توزعت الضربات على الدراجات النارية والسيارات وتحركات المدنيين، في مشهد أصبح يتكرر بشكل يوحي بأن الأمر لم يعد مرتبطاً بهدف عسكري مباشر، بل بسياسة التخويف العلنية. الطائرة بدون طيار لا تشاهد فقط. المسيرة تحكم وتنفذ وتقرر من يبقى ومن يسقط. ولأول مرة بعد وقف إطلاق النار، اتسعت دائرة الاستهداف. ودخلت السعديات والجية وملتقى النهرين على خط النار. هذا التطور ليس تفصيلا. وعندما تصل الغارات إلى الطريق الساحلي والمناطق التي لا تصنف عادة كخطوط مواجهة مباشرة، فهذا يعني أن إسرائيل توسع هامش النار وتختبر حدود الرد اللبناني، وتقول عمليا إن وقف إطلاق النار لا يمنعها من القصف أينما تريد ومتى تريد. أما السكسكية فكانت الهدف الأكثر دموية. مجزرة جديدة أضافت أسماء إلى سجل طويل من القتل. تسعة شهداء من جبشيت قرروا إنهاء حياتهم، فيما وثقت إحصائية سابقة لوزارة الصحة سقوط شهداء وجرحى بينهم أطفال ونساء، في غارات على البلدة خلال الأيام الماضية. السكسكية ليست موقعاً عسكرياً لما حدث هناك. وهي بلدة لبنانية، فيها عائلات ونازحون وبيوت وأطفال. لكن إسرائيل تتعامل مع كل هذه التفاصيل وكأنها إضافات في بيانها العسكري، كما تتعامل مع كل قرى الجنوب. وفي البادية نجت عائلة مكونة من أحد عشر شخصاً من مذبحة محتملة. وفي حي البياض بالنبطية سقط ثلاثة شهداء. وفي حي المسلخ أيضاً، ارتفع ثلاثة آخرون. ولم تعد النتيجة رقما، بل نمطا. منزل هنا، وسيارة هناك، ودراجة هوائية على طريق فرعي، ورجل على أرضه، وعائلة في منزلهم. كل هذا يحدث تحت عنوان واحد: لا يوجد مكان آمن في الجنوب. والأخطر من ذلك أن هذا المسار يأتي في وقت يتراجع فيه مستوى التفجيرات داخل الأراضي المحتلة، مقابل زيادة وتيرة الغارات والاغتيالات والمجازر داخل لبنان. ومن يتابع المشهد يلاحظ أن إسرائيل تنتقل إلى مرحلة مختلفة. فهو لا يستجيب لحدث معين فحسب، بل يبني معادلة نار جديدة. ومع تطور استخدام حزب الله للطائرات بدون طيار لملاحقة مركبات الجيش الإسرائيلي وأفراده وتحقيق إصابات مباشرة، تبدو الرسالة الإسرائيلية واضحة: كل ضحية في الميدان يقابلها توسع في قصف القرى والناس. وهذه معادلة خطيرة. لأنه يحول المواجهة من مواجهة عسكرية إلى عقاب جماعي. وعندما لا تستطيع إسرائيل تحمل الخسائر الميدانية، فإنها تذهب إلى المنازل. وعندما يتم استهداف مركباتها يتم قصف الطرق. وعندما تشعر أن الطائرات بدون طيار تضغط عليها، تتابع السيارات والدراجات والمزارعين. هذه ليست حرب بين جيش ومسلحين فقط. هذه سياسة تدمير مجتمع بأكمله. والسؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح: هل أصبحت كل بيوت الجنوب لحزب الله؟ هل أصبحت كل المدارس تابعة لحزب الله؟ هل الكنائس والمساجد والمعابد اليهودية أهداف مشروعة؟ هل يموت كل من يركب دراجة، أو يحرث الأرض، أو يقود سيارة؟ هذه الأسئلة ليست عاطفية. هذه أسئلة سياسية وأخلاقية وقانونية. لأن تحويل المدنيين إلى «احتمال عسكري» يعني عملياً إسقاط كل قواعد الحرب. وفي الخلفية نتذكر الحديث عن منطقة عازلة اقتصادية أو أمنية، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاقها.. لكن ما يحدث على الأرض أخطر من أي تصريح. وتضع إسرائيل علامة على هذه المنطقة بالنار. لا تحتاج إلى إعلان رسمي إذا تم إخلاء القرى، وتدمير المنازل، وتهجير الناس، وتحول الحركة اليومية إلى مغامرة مميتة. إن المنطقة العازلة لا تتكون فقط من الجرافات والأسلاك. كما أنها مصنوعة بالخوف، بالطائرات بدون طيار، وبقتل الحياة العادية. أما الدولة اللبنانية فها هو الجرح الثاني. الجنوب لا يقصفه الطيران الإسرائيلي فحسب، بل يُترك أيضاً تحت صمت رسمي لا يشبه حجم الدماء. المطلوب من الدولة ليس إعلان الحرب. مطلوب منصب. المطلوب هو القول بأن المدنيين لا يتفاوضون على المواد. والقول بأن الهدنة لا يعني السماح لإسرائيل بالقتل والانسحاب من المسؤولية. والقول بأن حماية الناس ليس أمراً مؤجلاً إلى ما بعد الاتصالات الدبلوماسية. وحين لا يصدر موقف من حجم المجازر، يشعر الجنوبي أن موته أصبح تفصيلاً داخلياً. الجنوبيون يتساءلون: لماذا يُقتل الأطفال؟ لماذا يتم قصف المنازل؟ لماذا تتحول المدن إلى رماد؟ لماذا يتم التعامل مع الناس وكأنهم عبء على الدولة وليس على مواطنيها؟ لماذا يطالبهم العالم بالمصادقة على هدنة لا توقف مسيرة ولا تحمي بيتا ولا تمنع مجزرة؟ ما يحدث اليوم ليس يوماً عابراً في سجل المواجهة. وهو مؤشر لمرحلة أكثر خطورة. إسرائيل توسع الجغرافيا، وتزيد من وتيرة الاغتيالات، وتحول القرى إلى مربع ضغط مفتوح. في المقابل، لا يزال لبنان الرسمي يتصرف وكأن المعطيات كافية، وكأن الوقت يعمل في مصلحة الشعب. الجنوب لا يحتاج إلى الشفقة. انه يحتاج الى موقف. إنه يحتاج إلى دولة تتحدث باسمه، وليس عنه. يجب أن يقال بوضوح أن قتل المدنيين ليس أمراً عادياً، وأن تحويل القرى إلى رماد ليس تفصيلاً عسكرياً، وأن الدماء التي تتساقط في السكسكية وكفر رمان والنبطية وجبشيت والسعديات ليست رقماً في يوم طويل. متى أصبح هذا طبيعيا؟ الجواب يجب أن يكون واضحا: لم يحدث، ولن يصبح.



